الاطماع الغربية الصهيونية وثمارها

من موسوعة بيت المقدس الإلكترونية
مراجعة ٠٤:٠٧، ١١ نوفمبر ٢٠٢٠ بواسطة Rasb313 (نقاش | مساهمات) (←‏حملة نابليون بونابرت)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

بلادُ الشّامِ وبيتُ المقدسِ من أهمِّ المناطقِ الإستراتيجيةِ منذ فجر التاريخِ، ومحطّ أنظار الإمبراطوريات المختلفةِ، التي وَجدت أنَّ تلك البلاد مركزا مهماً للسّيطرةِ على مصرَ وأفريقيا ومناطق أخرى، فتنازعت عليهمُ القوى الخارجيةُ، واستمرّ ذلك لحين قيامِ الدّولة الإسلاميةِ العربيةِ، التي قضت على الدولتين الفارسيّة والبيزنطيّةِ، لكنَّ هذا لا يعني انتهاءَ الأطماعِ عليهم .


استمرَّ العالمُ الغربيُّ يتطلّع إليهم فتعرضت بلادُ الشّامِ وفلسطينَ لهجمات كثيرةٍ ومتواصلةٍ، أدّت لاحتلالها واستغلال مقدراتها واستعباد شعوبها، كانت بدايتها الحروب الصّليبيةُ، التي أخذت من الدّين ستاراً لأعمالها الهدّامةِ، وحججٍ كثيرةٍ سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها، لأجل تبرير حملاتها، لكنّهم خرجوا أذلاّء مقهورينَ، ورغم ذلك استمرّت تطلّعاتهم إليها، محاولين بين فترة وأخرى السّيطرةَ عليها، واستعدّوا لهجماتٍ جديدةٍ أبعدُ خطراً وأشدّ ضرراً.


واتفقتِ الدّول الغربيةُ رغم عدائهم المستمرِّ وتلاقت مطامعهم، من هنا كان بحثي الذي سأبيّن فيه أطماعَ الاستعمارِ الغربيِّ الذي أوجد الكيان الصهيونيَّ الزائلَ.


أهمّيةُ القضيةِ الفلسطينيةِ والتّواجدِ اليهوديِّ

إنَّ القضيةَ الفلسطينيةَ من أهمِّ القضايا العربيةِ الإسلاميةِ، ففلسطينُ جزءٌ مهمٌّ من بلادِ الشّامِ الأرضِ المباركةِ وفيها الجزءُ الأكبرُ من إقليمِ بيت المقدسِ، والذي يُعتبر جزءاً من العقيدةِ الإسلاميةِ وآيةً في كتاب الله عز وجل .


لم يكن لها علاقة بالمسيحيين الغربيين، أو اليهود الغربيينَ الذين بدأوا يتدفّقون إلى المنطقة بسبب عواملَ عسكريةٍ وسياسيةٍ، واضطهادات لحقت بهم، فبلاد المسلمين تتمتع بحكم إسلامي يظلل الجميع بعدالته ونظامهِ.

وعند الاحتلال الصّليبيِّ لبيت المقدسِ لم يفرّقِ الصليبيون بين المسلمين والمسيحيين واليهود، فقد كانت نظرتهم لهم أنّهم أعداءُ المسيحِ، فذبحوا اليهودَ كما المسلمينَ، ومنعوهم من دخولِ بيت المقدسِ وبقي قلة منهم، ولكنْ بعد تحرير بيت المقدسِ بدأ الكثيرُ من اليهودِ يفدون إليه؛ نتيجة الاضطرابات والاضطهادات التي مورست بحقهم في الغرب، فرُحِّب بهم لاسيّما في العهد الأيوبيِّ، خاصة في عهدِ صلاحِ الدين الذي وافق على استقبالِ موجاتٍ مهاجرةٍ من اليهودِ، وتباعاً فإن الدولة العثمانية لم تر مانعاً من استقبالهم، على أن تمثّل هذه الموجات رعايا عثمانيين خاضعين لقوانينِ وأنظمةِ الدّولة العثمانيةِ، وقد عاش اليهودُ كَسِواهم في ظلِّ العدالة الإسلاميةِ. [١]


وحينها لم يكن أيُّ وجودٍ للحركة الصّهيونيةِ التي وُلِدت في القرن التّاسعِ عشر نتيجةَ الأوضاعِ وتحقيقاً لأطماعِ الغربِ في بيت المقدسِ وبلادِ الشّامِ، وأصبحت حركةً سياسيةً منظَّمةً بين اليهودِ وعنصراً أساسياً في قضيةِ توطينهم. وسيتمُّ الحديثُ عنها خلالَ البحثِ حسبَ التّطورات التّاريخية .

حملة نابليون بونابرت

استمرّ التنازعُ على بلادِ الشّام وبيتِ المقدسِ، وبدأتِ الأطماعُ اليهوديّةُ ترتبطُ بهم منذُ أواخرِ القرن الثّامنِ عشر وبدايةِ القرن التّاسع عشر عندما وجّه نابليون بونابرت القائدُ العسكريُّ الفرنسيُّ حملته الشّهيرةَ إلى مصرَ وبلادِ الشّام، وأعطى اليهودَ حقَّ العودةِ لفلسطينَ، وبدأ بالدّعوةِ لذلك وتضمّن نداؤه إلى الفرنسيين والأوروبيين واليهودِ للمطالبة بالدّعم والمؤازرةِ.


عندما وصلتِ الحملةُ الفرنسيةُ إلى مصرَ وبلادِ الشّام عام 1798-1799م وقفتِ الأُسَرُ اليهوديةُ إلى جانبه، فقد استغلّ أماني الشّعب اليهوديّ المضطَهَدُ لأجل نجاح حملتهِ وتحققيقِ مطامعهِ فحربه تحتاج لجنودٍ وتمويلٍ ماليٍّ، وبالفعل جنّد عدداً من اليهودِ في جيشه وكسب نفوذَهم وتمويلَهم .


واختار نابليونُ الوقتَ الذي كان فيه في سورية ضمن حملته الكبرى على الشّرق للاعتراف بحقوق اليهودِ، وفي ربيع 1799م أصدر بياناً طلب فيه من يهودِ أفريقيا وآسيا أن يقاتلوا تحت لوائه؛ لإعادةِ إنشاءِ مملكةِ القدسِ القديمة، فقد كان يريد استغلال اليهود في خططه الاستعمارية. [٢]


على هذا فقد كان بيانُه بمثابةِ اعترافٍ دوليٍّ بوجودٍ قوميٍّ يهوديٍّ، فملايينُ اليهودِ المشتّتين يجب أن يُجمعوا في دولةٍ تخدم المصالحَ الاستعماريةِ الفرنسيةِ عن رضى،كما وجّه الحاخامُ الأكبرُ لمدينة بيت المقدسِ آرون ليفي نداءاً إلى اليهود لإعادة بناءِ أسوارِ المدينة اليتيمةِ ( مدينة بيت المقدس) وبناءِ معبدِ الرّبِّ، وحثِّ اليهودِ للهجرةِ إلى فلسطينَ بقوله: "ليجتمعَ كلُّ رجالِ الشّعبِ اليهوديِّ القادرين على حملِ السّلاحِ، وليأتوا إلى فلسطينَ." () فكان هذا النّداءُ بتوافق المشروع الفرنسيِّ اليهوديِّ، ليُنفَّذَ في فلسطينَ ويحققَ أطماعَ الطرفين، إلّا أنّ الحملةَ الفرنسيةَ فشلت وتلاشت من مصرَ وعكَّا، وتخلّت فِرنسا عن تبنّي حلُم اليهودِ وتطلّعاتهم في فلسطينَ، في أعقاب هزيمتها على يد بريطانيا في القرن التاسع عشرَ .


المشروعُ البريطانيُّ لتحقيقِ مطامع بريطانيا وإنشاءِ الدّولةِ العازلِ: إنَّ الحربَ العالميةَ الأولى واحتلالِ بريطانيا للهندِ وحملةِ بونابرت التي تهدّدُ مصالحَ بريطانيا في الهندِ، بدأت تُبرِز أهميّة بيت المقدسِ وفلسطينَ عندهم، فقد وجد الخبراءُ الانكليزُ من السّياسيين والعسكريين أنَّ إقامة حليفٍ غريبٍ لبريطانيا في فلسطينَ، سيُشكّلُ العديدَ من الإيجابياتِ وخطِّ دفاعٍ من خطرِ التّحالف العثمانيِّ الألمانيِّ، وبدأت تظهر علامات التَّنافس الفرنسيِّ البريطانيِّ، فوجدت بريطانيا ضرورةَ منافستها عن طريقِ استغلالِ تطلّعات اليهودِ نحو فلسطينَ، وهذا سيكون بإيجادِ حاجزٍ بشريٍّ غريبٍ يتوافقُ مع أطماعهم، واستمرارِ سيطرتهم على المنطقة، وقد مرَّ المشروع بخطواتٍ عديدةٍ.

الخطواتُ التّمهيديةُ للمشروعِ البريطانيِّ

كانت بريطانيا الأقوى بعد أن تخلّت فِرنسا عن تبنّي الحلُم اليهوديِّ، ولتحقِّق بريطانيا مصالحها عمدت إلى تحويلِ حلُمِ اليهودِ لصالحها، بجعلِهم الشّعبَ البديلَ في فلسطينَ، وحتّى لا تتركَ فراغاً في المنطقةِ بعد الهزيمة العثمانيةِ لتستولي على المشرق العربيِّ والإسلاميِّ، فدعت لتبنّي مشروعِها، وبالفعلِ تبنّاه بعض رجال الدّين النصرانيِّ الذين استغلّتهم بريطانيا لتحقيق أهدافها، منهم القسّ وليام هشلر عضو جمعية لندن، لنشرِ النّصرانيةِ بين اليهود فجمعَ الأموالَ ودعا لمساعدتهم في الاستيطانِ وإقامة دولتهم لضرورةِ ذلك عالميا، ويذكرُ إسرائيل كوهين: " أنَّ السّببَ هو الأملُ أن يؤدّي ذلك إلى دخولِ اليهودِ إلى النّصرانيةِ. "()

واستمرّت نداءاتُ بريطانيا لليهودِ تطالبهم بالعودةِ لفلسطينَ، واجتمع اليهودُ في بريطانيا بدعوةٍ من حاخامِ لندن موسى مونتفيوري والذي لعب دوراً في حمايةِ اليهودِ، وإنجاح فكرة بناء المستوطنات على مساحات كبيرة من فلسطينَ، من خلال شراء وإيجارِ الأراضي، فنتجَ عن الاجتماعِ جمعُ حوالي 130 ألف جنيهٍ استرلينيٍّ لتنفيذ المشروعِ.()

حُكمُ محمّد علي

استمرّت المشاوراتُ حول مصيرِ فلسطينَ، وبدأوا أثناء حكمِ محمّد علي لفلسطينَ ( 1831-1841) بترويجِ فكرةِ تهجيرِ اليهودِ من أوروبا وحمايتهم وإقامة دولةٍ لهم، وأيّدَ ذلك الكثيرُ من السّاسةِ البريطانيينَ واليهودِ، مثل صموئيل وأبراهام شوشنة، وأيّدوا مشروعَ مونتفيوري، وبدأوا بمحاولةِ إقناعِ محمّد علي باشا بالسّماح لليهودِ بشراءِ الأراضي في فلسطينَ، ومضاعفةِ نفوذِهم مقابل دعمِ الدّولة المصريةِ، وتقرّبوا منه لكنْ قابلَهم بالرّفضِ القاطعِ وذلك في نيسان / أبريل1838 م.


وعمدتْ بريطانيا لتأسيسِ أوّلِ قنصليّةٍ غربيّةٍ في بيتِ المقدسِ عام 1838م برئاسةِ وليم يونغ، وجاءَ إنشاؤها في ظلِّ الامتيازاتِ الأجنبيّةِ في الدّولةِ العثمانيةِ، وأعلنوا أنَّ هدفَهم حمايةُ اليهودِ رغم قلّة عددِهم في فلسطينَ حينها، ورغم اضطهادِهم في بريطانيا آنذاك، وهذا يؤكّدُ خُطَطَهم الكبيرةَ للحصولِ على المنطقة الإستراتيجيةِ، وتأمينِ مصالحِهم من خلالِ إيجادِ شعبٍ بديلٍ .


ولأنَّ بريطانيا هي الدولةُ الوحيدةُ التي أعلنتْ حمايتَها لليهودِ في فلسطينَ، عملتِ الإدارةُ العثمانية ُ-كما يذكرُ القنصلُ البريطانيُّ في مدينةِ بيتِ المقدسِ جيمس فين عام 1858م و 1859م- على كسْرِ السَّيطرةِ الأوروبيّةِ وتقليصِ ظلّها.()

العملُ الفعليُّ والجادُّ لتحقيقِ المشروعِ

تلاقتْ المصالحُ والأطماعُ الصّليبيةُ الصّهيونيةُ لتوطينِ اليهودِ، خاصةً بعد ظهورِ مؤشّراتٍ أنَّ المنطقةَ مقبلةٌ على فراغٍ ومحاولةِ ملئ الفراغِ من قِبَل القوى الناشئةِ، وذلك نتيجةَ الضَّعفِ الذي ظهر على الدّولة العثمانيةِ، ومحاولةِ محمد علي السيطرةَ على الشّرق العربيِّ الإسلاميِّ لإقامة إمبراطوريةٍ مصريةٍ، ورفضهِ التّعاونَ معهم وتحقيقِ مطالبِهم .

فوجدتْ بريطانيا أنَّ هناك خطراً يهدّدُ نفوذها ومصالحها، فرغبتْ بإنشاءِ حاجزٍ أو جسرٍ يحقّق ُهدفها، وذلك بفصلِ مصرَ والدّولة العثمانيةِ، فلا يكونُ هناك وَحدة بين مصر وبلادِ الشّام والقضاءِ على العلاقةِ المصريةِ الفرنسيةِ، فعملت بنجاحٍ على تحقيقِ هدفها الذي يكمنُ بتأمينِ خطوطِ المواصلاتِ الإمبراطوريةِ مع الهندِ والسّيطرةِ على طرقِ التّجارةِ، وتأكيدِ مركزها الماليِّ والتّجاريِّ تحت ستارِ حمايةِ الأقليّاتِ الدّينيةِ، وهذا تمَّ بإجراءِ عدّة اتفاقياتٍ ومؤتمراتٍ وأعمالَ أذكرُ بعضاً منها :


-اتفاقيّةٌ بريطانيةٌ ممثّلةٌ بالّلورد بالمرستون، وروسيا الممثّلةُ بالبارون دي برونو، لتبادلِ المصالحِ والعملِ على إذلالِ محمّد علي، وجعلِ مصرَ بأيدي بريطانيا، والسّماحِ لروسيا بإنزالِ الجيشِ بالقربِ من اسطنبول في ايلول 1839 .


-معاهدةُ لندن 15 تموز 1840م وتقضي بإخراجِ محمّد علي من الشّامِ وعزلِ مصرَ، وقد تمَّ ذلك فأحدثَ فراغًا سياسيًا وعسكريًا في المنطقةِ، فنشِطت بريطانيا بإرسالِ بعثاتٍ طبيةٍ وثقافيةٍ ودينيةٍ لمختلَف المناطقِ، وبدأت سيطرتها على عدَّة مدنٍ ساحليةٍ في لبنانَ وفلسطينَ .


-تشجيعُ فكرةِ الاستيطانِ ومحاولاتِ إقناع الدّولة العثمانيةِ بضرورةِ السّماحِ بهجرة اليهودِ، وبهذا تنجحُ بالقضاءِ على الوَحدة السّياسيةِ في المنطقةِ وهدمِ الخلافةِ الإسلاميةِ. وساهم بذلك العديدُ من السّياسيين والعسكريينَ والعملاء والأدباء الانجليزُ، وأكّدوا على ضرورةِ سلخِ فلسطينَ عن الدّولةِ العثمانيةِ، وإيجادِ قوّةٍ غريبةٍ فيها مع طردِ أهلها منها.


وبدأ التّعاونُ البريطانيُّ اليهوديُّ، وحدثتْ تطوّراتٌ إقليميّةٌ مهمّةٌ، يأتي في مقدّمتها مبادرةُ رئيسِ وزراءِ بريطانيا اليهوديِّ الأصلِ دزرائيلي، بتمويلٍ من روتشيلد للمسارعةِ إلى شراءِ أسهمِ قناة السّويس عندما طُرِحت للبيعِ، نتيجة الضّائقة الماليةِ في مصرَ، وبذلك تكون بريطانيا واليهودُ على قربٍ من شبهِ جزيرةِ سيناء ومن فلسطينَ.


وشهِد العام 1882م احتلالاً عسكريًا بريطانياً لولاية مصر()وكثُرت الآراءُ والشّخصياتُ التي تطالبُ بتحقيق الهدفِ، عبر شراء الأراضي، وبدءِ الهجرة وتوطينِ اليهودِ. وفي العام 1877م كانت أسرةُ روتشيلد تموّل إنشاءَ أوّل مستعمرة استيطانية لليهود في فلسطين على مساحة 2275 فداناً، وهي مستعمَرة بتاح تكفاه، واستمرّوا بذلك حتّى كثُر عددُها، وبنفس العام تمَّ إنزالُ قوّات عسكريةٍ بريطانيةٍ في قبرص، لمراقبة ما يجري في سواحل الشّام عن بُعد . ()

ولادةُ الحركةِ الصّهيونية

نتيجةً لجهودٍ يهوديةٍ من زعامات ٍوقياداتٍ في الغربِ تبلورتْ فكرةُ إنشاءِ وتأسيسِ حركةٍ صهيونيةٍ للمطالبةِ بإنشاءِ وطنٍ قوميٍّ لليهودِ، خاصة بعد الاضطهاد الذي شهده اليهودُ بسبب أعمالهم، فبدأت الصّحف اليهوديةُ توظِّف الواقعَ اليهوديَّ لمآربَ لها علاقةُ مباشرةُ بإنشاء الوطنِ القوميِّ، وكان في مقدّمة الصّحفيين " تيودور هرتزل " وابتدأ الدّعوة لعقدِ مؤتمرٍ صهيونيٍّ في بال في سويسرا في صيف 1897، وجمع الزّعماءَ اليهودَ وأكّدوا على ضرورةِ إنشاء وطنٍ قوميٍّ لهم .وصاحب هذا المؤتمر اتصالات دوليّةٌ لتسويق قرارهم، وحاول إقناعهم أنَّ الدَّولةَ اليهوديةَ ستكون جسراً لهم في المشرق العربيِّ، وشجّعتهم الحكومةُ البريطانيةُ ودعَّمتهم().


وفي العام 1898م طلب هرتزل لقاءَ السُّلطان العثمانيِّ عبد الحميد الثاني طالبًا تقديمَ مساعدةٍ لليهودِ مقابلَ الدّعمِ الماليِّ للدّولة العثمانيةِ، لكنَّ السُّلطانَ رفض وغضِبَ وطردهم، ورفض السّماحَ لهم بالهجرةِ إلّا للحجِّ، ولفترةٍ محدّدةٍ، وكان هذا الموقفُ يمثّل صفحةٍ بيضاءَ في تاريخ السُّلطانِ، وتاريخِ الدّولة العثمانيةِ، وقد دفعَ السُّلطانُ فيما بعدُ لقاءَ هذا الموقفِ عرشَه ونفوذَه .


واستمرّ هرتزل بمساعيه ورفضَ أيَّ اقتراحٍ ممكنٍ، بإقامة دولتهم خارجَ فلسطينَ، وأشار قائلاً: إنَّ إقامةَ دولةِ إسرائيلَ سيتحقّق بعد خمس سنواتٍ، وعلى الأكثرِ فإنَّه سيتحقّقُ بعد خمسين سنةٍ، وفي 1904 م توفي هرتزل وبوفاته طُوِيَت صفحةٌ نشيطةٌ من نشاطِ الحركةِ الصَّهيونيةِ، وجاء بعده قادةٌ يهودٌ لم يكونوا أقلَّ نشاطاً، وتقرَّبوا من أيِّ حليفٍ يساعدهم على تحقيقِ هدفهم .


وكان عام 1905 م عام التشبُّثِ الصَّهيونيِّ بفلسطينَ، وتكرَّس ذلك عملياً في مقرَّرات مؤتمر كامبل باترمان عام 1907م، واستمرّت الّلقاءات والاجتماعات والمؤتمراتُ لبحث الوضعِ، ومنع استمرار العرب في وَحدتهم وقوَّتهم، ولتحقيق تطلّعاتهم وأهدافهم، فتلاقت أهدافُ التّوسّعِ الصّليبيِّ الاستعماريِّ الأروربيِّ بالأهداف اليهوديّةِ الصّهيونيةِ .

ثمراتُ تلاقي الأطماعِ البريطانيةِ الصّهيونيةِ

شكّلتِ الفترةُ الممتدّةُ 1914-1923م جوهرَ الصّراعِ بسبب صدورِ وعْدِ بِلفور، الذي نادى بإنشاءِ وطنٍ لليهودِ بفلسطينَ، فتعاونت بريطانيا مع دولٍ كبرى، وخدعوا العربَ بمراسلاتهم ومؤتمراتهم، كمراسلاتِ الشَّريف حسين- مكماهون التي تمّ فيها التّنازلُ عن الحقِّ العربيِّ، وبدأت تتقاسم الترّكةَ العثمانيةَ بين الدّول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، لتنتهيَ بالانتدابِ البريطانيِّ على فلسطينَ، تحت غطاءٍ ودعمٍ دوليٍّ، وبذلك استند التّحالفُ الصّهيونيُّ على عدّة أسسٍ وأحداثٍ .


مراسلاتُ الحسين – مكماهون السّريةِ :

بدأت هذه المراسلاتُ أثناء الحربِ العالميةِ الأولى حول مستقبلِ فلسطينَ والبلاد السّوريةٍ، ومن المعروفِ أنَّ بريطانيا كانت تخدعُ باستمرارٍ العربَ لتجذبهم لمساعدتها، وهذا ما حصلَ مع الشَّريف حسين، ففي حين كانت القوّاتُ العربيةُ تهاجمُ الدّولةَ العثمانيةَ وتدعمُ جيوشَ الحلفاءِ، كان الانكليز والفرنسيون يعتمدون اتّفاقيةً سرّيةً لتقسيمِ البلاد فيما بينهم، وفي تشرين أكتوبر 1917 -وبعد قيامِ الثّورةِ الشّيوعيةِ البُلشُفيّةِ- تمَّ الكشفُ عن الاتفاقيةِ، وحذّروا العربَ من الوقوفِ جانب بريطانيا وفرنسا.() وكانت هذه الاتفاقيةُ طعنةً للشَّريف حسين والعربِ، فهذه الاتفاقية متناقضةٌ تماماً لما فهمه الشَّريفُ من اتفاقه مع بريطانيا.


اتّفاقيةُ سايكس- بيكو: جاءت هذه الاتّفاقيةُ لاقتسامِ الدُّولِ العربيةِ بين بريطانيا وفرنسا 1916م، تولّاها الفرنسيُّ جورج بيكو والبريطانيُّ مارك سايكس، وكانت هذه الاتّفاقية تسويةً بين الدُّول الحليفةِ الكبرى لتقسيم السُّلطنةِ العثمانيةِ وكان وراءها عدّة مصالح، فتؤمّنَ انكلترا قناةَ السّويس وطريقَ الهندِ، وتحقّقَ روسيا حلُمها القديمِ بالوصولِ إلى مياهِ المتوسّط، ويكونَ لفرنسا مركزُ نفوذٍ وقواعدَ الشّرقِ المتوسّطِ.()


فقسَّمت هذه الاتّفاقيةُ وِصالَ الدُّولِ العربيةِ، وفصلوا فلسطينَ عن سوريا، وتركّزتِ السِّياسةُ الانجليزيةُ على هدمِ الجزء العربيِّ من سوريا الجنوبيةِ، وأضحى الشّعب العربيُّ في فلسطينَ يئنُّ تحت الحكم العسكريِّ البريطانيِّ، الذي أشرفَ على برنامج التَّهويدِ.()

وعدُ بلفور: خطّطت بريطانيا من أجلِ احتلالِ فلسطينَ، وإنشاء وطنٍ قوميٍّ لليهودِ يجمعُ شتاتهم، ويكونُ حارساً لمصالحها، وذلك قبل اندلاعِ الحربِ العالميةِ الأولى، التي كانت فرصةً مواتيةً لتنفيذِ المخطّطِ بعد عدّة اجتماعاتٍ وجهودٍ بذلتها خوفاً من تحالفٍ يهوديٍّ مع دولةٍ أخرى .

انتهت جهودُ بريطانيا بوضعِ نصٍّ لتصريحِ بِلفور، وهو وثيقةُ حكوميةُ أصدرها وزيرُ الخارجيةِ البريطانيِّ أرثر جيمس بلفور عام 1917م، وأرسله إلى الّلورد روتشيلد، يشيرُ إلى تأييدِ الحكومةِ البريطانيةِ لانشاءِ وطنٍ قوميٍّ لليهود.()


تنفيذُ المخطّطات المدروسةِ بغيابٍ التّصورِ العربيِّ

بعدَ اتّفاقيةِ سايكس بيكو ووضعِ تصريحِ بلفور والعملِ على نقلهِ من النّطاقِ البريطانيِّ إلى العالميِّ، من خلالِ إرسالِ وفدٍ لبيتِ المقدسِ لاستطلاع أوضاعِ فلسطينَ من جميعِ النَّواحي، والتّخطيطِ المستقبليِّ لتحرّكاتِ الحركةِ الصَّهيونية، تمَّ الاعلانُ عنه فكان ذلك صدمةً للعربِ، فقامت بريطانيا وأرسلت أحد مبعوثيها دفيد هوجارث لتضليلِ العربِ، وأوّل ما قام به استعطافُ القياداتِ العربيةِ بذريعة العملِ على نهضةِ فلسطينَ، ورغم المؤامراتِ الواضحةِ استمرت القوى العربيةُ وفي مقدّمتها الشَّريف حسين تقفُ مواليةً لهم، ظنّاً أنّهم سيحقّقون الحريةَ والاستقلالَ للعربِ كما وعَدوهم، ومعتبراً أنّه لا عدوَّ إلّا العثمانيينَ.


صدر تصريحُ بِلفور، ودخلتِ القوَّاتُ البريطانيةُ والفرنسيةُ إلى لبنانَ وفلسطينَ وشرقيِّ الأردنِ والعراقِ ودخلتِ القوّاتُ العربيةُ بقيادة الأمير فيصل بن الحسينِ، مع القائدِ اللنبي إلى دمشقَ، وعُيِّن ملكاً على البلاد السّوريةِ بعد مؤتمرِ سوريا العام .ثمَّ عيَّنت بريطانيا أوّلَ مندوبٍ ساميٍّ في فلسطينَ من اليهودِ البريطانيين، وهو هربرت صموئيل لتنفيذِ وعد بِلفور وتسهيل هجرة اليهودِ، وبالفعل بدأ تحقيقُ ذلك، وبدأوا بعقد المؤتمرات لتثبيتِه والعمل الرسمي لما أصدروه.


•فعُقِد مؤتمرُ الصُّلحِ بين الدُّولِ المنتصرةِ في باريس 1919م، ونتجَ عنه عدمُ إعادةِ الأقاليمِ العربيةِ إلى الحكمِ الترّكيِّ وابتدع كلمة الانتدابِ، وبعد الاستماعِ للعربِ والصّهاينةِ فيه ولحلِّ كلِّ العقباتِ تمَّ تشكيلُ لُجنةِ كنغ كراين قدّمت تقريراً إلى الرّئيس الأمريكي بعد وصولها إلى حيفا ثمّ سوريا ولبنان ثمّ اسطنبول، فكانتِ النّتائجُ فرضُ نظامِ الانتدابِ على هذه الدَّولةِ؛ لكي يتمَّ القضاءُ على الحكمِ الترُّكيِّ.()


•اجتمعت دولُ الحلفاءِ في أيار 1920 م في مؤتمرِ سان ريمو في إيطاليا، لتؤكّدَ تنفيذَ اتّفاقيةِ سايكس بيكو الهادفةِ لتقسيمِ البلادِ، وتأكيدِ أنْ لا عودةَ للوحدةِ العربيةِ.


•صكُّ الانتدابِ الذي أُعلِنَ من قِبَل عصبةِ الأممِ 1921م، وصُودِق عليه ووُضِع موضعَ التّنفيذِ 1922 واعتبرَ اليهودُ أنّهم حصلوا على اعترافٍ عالميٍّ بإقامةِ وطنٍ قوميٍّ لهم في فلسطينَ .


وبدأت ردودُ الفعلِ العربيةِ الشّعبيةِ الّتي كانت هبّاتٍ وثوراتٍ مستمرّةٍ، ضدَّ البريطانيين والهجرةِ اليهوديةِ الّتي ازدادت، فقامت ثوراتٌ ضدّها مثل ثورةِ البُراق 1929م، ثمَّ ثورة 1935 بقيادة الشّيخ عزّ الدّين القسّام وغيرها من الثوراتِ.


أمّا الموقفُ العربيُّ الرّسميُّ فكان سلبياً وسيئاً حقّق نصراً للحركة الصَّهيونيةِ، فقد اكتفى بالتّنديدِ وإجراءِ المؤتمراتِ، في ظلِّ السُّكوت العربيِّ تمادى الوفدُ الصَّهيونيُّ، وحقَّق مطالبَه ومبتغاه بإقامةِ الدولةِ العازلِ وِفقَ الخُطواتِ الآتية:

-جعلوا لأنفسهم الحقَّ والأولويةَ في حكمِ بيتِ المقدسِ وفصلِ فلسطينَ عن بلادِ الشَّامِ.

-جعلوا لُغتَهم رسمية، كما جعلوا لأعيادِهم الأولويةَ.

- صادروا الأراضي والبيوتَ، وبنوا مستوطَناتهم.

-أصبحَ لهم وجودٌ بعد أن كانوا مضطَهَدين منبوذين من الحكوماتِ .

الخاتمةُ

إنَّ ثمراتِ التَّوافقِ بين الاستعمار الغربيِّ والصَّهيونيِّ كانت بعد زرعٍ ارتوى بالحقدِ والطَّمعِ والتَّخطيطِ لسنواتٍ، فالحركةُ الصَّهيونيةُ ما كانت قادرةً على تحقيقِ حلُمها وهدفِها لولا مساعدةِ الغربِ وبالتّحديدِ بريطانيا، وتمكَّنت بريطانيا من فرضِ الانتدابِ على فلسطينَ واحتلَّتها وحكمتها عسكرياً، وبقي صكُّ الانتدابِ واتّفاقيةُ سايكس بيكو وثيقةً مروّعةً إذْ أعطى للمؤامرةِ الصَّهيونيةِ البريطانيةِ المتمثّلةِ بوعد بِلفور شرعيةً دوليةً في قرارِ عُصبةِ الأممِ وقد شكَّل الغطاءَ لسياسةِ بريطانيا والصّهاينةِ في تهويدِ فلسطينَ، وهو أخطرُ الوعودِ التي عرفتها فلسطينُ، حيث مهَّد لليهودِ بإنشاء كيانهم العازل والزَّائل إن شاء الله، وزادَ من ثقتهم بعد أن كانوا مضطَهَدِينَ .

كلُّ هذا وما لحق به من أحداثٍ ما زالت آثارها السِّلبيةُ ليومنا هذا، فالتَّقسيمُ وإيجادُ الحدودِ ضّيعنا وفرّقنا رغم أهميّة الوَحدة، لاسيّما بين مصرَ وفلسطينَ؛ للعلاقة الوطيدةِ التي تربطهما على كافّة النّواحي، فما أحوجنا أنْ نعرفَ هذا كلَّه لنأخذَ العِبرَ والدّروسَ ونغيّر واقعنا .

وختاماً أسأل اللهَ أنْ أكونَ قد وُفِّقتُ في بحثي هذا، والشَّكر الجزيلُ للدكتور طارق الجعبري الذي اعتمدتُ بشكل ٍكبيرٍ -في بحثي- على محاضراته القيّمةِ، فجزاه اللهُ وجميعَ القائمين على المشروع خير الجزاءِ.

المعرفة تقود التغيير والتحرير والعمران

المصادر والمراجع

  1. حسان الحلاق ، الاسلام والغرب ، دار بيروت المحروسة للطباعة والنشر ، لبنان 1431ه/2010م ، ط2 ، ص 119
  2. ريجينا الشريف ، ترجمة أحمد عبد العزيز ، الصهيونية غير اليهودية جذورها في التاريخ الغربي ، عالم المعرفة ، الكويت ، ص 74 .