أوضاع العالم الإسلامي عشية الحملات الصليبية

من موسوعة بيت المقدس الإلكترونية
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

إنَّ إلقاءَ نظرةٍ سريعةٍ على الشّرق الإسلاميِّ قُبَيلَ الغزوِ الصليبيِّ كفيلٌ بأنْ يوضِّحَ لنا لماذا اندحرت الجموعُ الإسلاميّةُ أمام العدوان الصّليبيِّ في بداية هجومه.


لقد كان الشّرقُ خاضعا لعدّةِ قِوى سياسيّةٍ سيئةِ العلاقةِ فيما بينها، حيثُ كانت الظاهرةُ البارزةُ هي التّفكّكُ والتّصارعُ الذين تذكيهما المصالحُ والرّكونُ للدّنيا، أمّا الشّعور بالمسؤوليّةِ المشتركةِ تجاه قضايا المسلمينَ، وأوّلها حمايةُ الأراضي المسلمةِ، فقد كان غائبا غيابا تامّا عن السّاحةِ.


وحتَّى نرصُدَ ولو قليلا الوضعَ المزريَّ وحالةَ الشّتاتِ والصّدامِ والفُرقةِ، التي كانت تعيشها بلادُ المسلمين عشيّةَ الاحتلالِ الصّليبيِّ لأرضنا المباركةِ، فقد قسمت بحثي هذا إلى عدة نقاط:


مقدمة

إنّ مظاهرَ الضَّعفِ والانحلالِ السّياسيِّ والرّكودِ الحضاريِّ بدَت فعلا في بعض أجزاءِ الوطنِ الإسلاميِّ قبْل بدايةِ حركةِ الاستردادِ المسيحيَّةِ في إسبانيا بكثير، وقبل وصولِ الحملةِ الصّليبيَّةِ الأُولى إلى الشَّرقِ بكثير أيضا، وإنَّ من يتأمَّلُ أحوالَ عالمِ الإسلامِ والصّراعاتِ الفكريَّةِ والخلافاتِ المذهبيَّةِ والحزازاتِ العنصريَّةِ التي قامت في جوفِ الأمَّةِ، ممَّا أدَّى إلى قيامِ ثلاثِ خلافاتٍ بدلاً من خلافةٍ واحدةٍ متماسكةٍ، وربّما كان أقربَ إلى الحقيقةِ التّاريخيّةِ أنْ نقولَ أنَّه لولا ما أصابَ عالمَ الإسلامِ من تفكّكٍ وضَعفٍ ما جرُؤَ الغربُ الأوربيُّ المسيحيُّ على التفكيرِ في شنِّ تلكَ الهجماتِ الواسعةِ على بلاد المسلمين()


ضَعفُ الدّولةِ الإسلاميّةِ وانقسامها

في نهايةِ القرنِ التّاسعِ للميلادِ فقدت الدّولة العباسيّة هيبتَها وانحلّت قوّتُها. ذلك أنَّ الخليفةَ المعتصمَ العباسيَّ أفرط في الاعتماد على الترك؛ الأمرُ الذي جعله يهجرُ بغداد، وينقلُ عاصمته إلى سامرا سنة 837م. ولم يلبث أنْ أصبح الخلفاءُ العباسيّون أداة سهلةً في أيدي أمراء الأتراك، حتى غدت السّلطة الفعليّة في القرن العاشر في يد كبير أولئك الأمراءِ، الذي اتّخذ لقب أمير الأمراء.


وزاد من ضَعفِ الدولة العباسيّة –عندئذ- كَثرة الثورات والخلافات الدينيّة مثلُ الحركة الخرّمية التي تزعمّها بابك الخرّمي (861م-837م)، وحركة المعتزلة، فضلا عن نشاطِ الشّيعة في جوف الدولة. فإذا أضفنا ثورة الزّنج في جنوب العراقِ (877م-883م)، وثورةُ القرامطةِ قربَ واسطَ بالعراق سنة 890م، استطعنا أن نكوِّن فكرةً عامّة عن عواملِ انحلالِ الدّولة العبّاسيّة ومظاهرِ هذا الانحلال.()


مظاهرُ انحلالِ الدَّولةِ العبّاسيّةِ

وليس أدلَّ على ضَعفِ الخلافة العباسيّة وتفكُّكِها –في تلك الفترة –من الحركات الانفصاليَّة الّتي قامت في جسم الدولةِ، والّتي أدّت إلى ظهور وحدات سياسيةٍ مستقلةٍ على حسابِ الخلافةِ، مثلُ الدّولة السامانية( (971م-998م)، والدّولة الزيارية (959م-1003م)، والدّولة الغزنوية (962م-1186م)، والدّولة الحمدانية (929م-1015م)، والدّولة البويهية (932م-1055م) ()


أمّا شمال الشام وإقليمُ الموصلِ فقد استقلَّ بهما الحمدانيون (929م-1003م). وزاد من الفوضى التي تعرضت لها بلاد الشام –في تلك الفترة– انتفاضة القبائل العربية؛ إذ سيطرَ العربُ الجنوبيّون أو اليمانيّون على جنوب الشّام ووسطهِ، حيث صارت الغلبةُ في فلسطينَ لبني طي، وفي وسط الشام لبني كلب، أمّا الجزيرة العربية فقد دانت وقتها لحكم القرامطة.()


ظهورُ دولةِ السَّلاجقةِ

في أوائلِ القرن الخامسِ الهجريِّ، ظهرت قوة جديدة على السّاحةِ الإسلاميّة هي قوّة الأتراك السنّة القادمين من وسط آسيا، وهُم أكثرُ من قبيلةٍ وإن كانوا يجتمعون في العرق التركيِّ، وكانت قبيلة السَّلاجقةِ إحدى هذه القبائل، وقد توغّلت في إقليم خراسان، وصارت تحت تبعيّة الغزنويّين فترةً من الزمانِ، إلاّ أنّهم في النهايةِ قاموا بالثّورة عليهم واستقلّوا بإقليم خراسانَ (شرق وشمال إيران) تحت قيادة طغرل بِك، وكان ذلك في سنة (428ه-1037م)، ثم أخذ السّلاجقةُ في التّوسعِ على حساب القوى الإسلاميّة المحيطةِ، وكذلك على حسابِ الدّولة البيزنطيَّة التي كانت قد دخلت في طورٍ من أطوار ِضَعفها؛ وبذلك شملت دولةُ السّلاجقةِ مساحاتٍ واسعةٍ من فارسَ وشمال العراق وأرمينيةَ وآسيا الصغرى.


ثم حدث تطوّرٌ خطيرٌ في سنة (447ه-1055م)، حيث استنجدَ الخليفة العباسيُّ القائمُ بأمر الله بطغرل بِك لينجدَه من سيطرة بني بويهٍ الشيعةِ. وبالفعل دخل طغرل بِك بغدادَ في سنة 447هـ، ليبدأ عهد السّيطرة السلجوقيَّة على الخلافة العباسيّةِ. ولا شك أنَّ هذا أعطى مكانةً كبيرةً لطغرل بِك في العالم الإسلاميِّ السنّيِ؛ ممّا أدّى لتوحيد أجزاء كبيرةٍ من العالم الإسلامي تحت سيطرته، خاصّة فارسَ والعراقَ وأجزاءَ من الشّام وآسيا الصغرى.


تشتّتُ البيتِ السّلجوقيِّ

كان الأتراكُ السّلاجقةُ قد تقدّموا نحو الغرب انطلاقا من الجزيرةِ بعد فوز ألب أرسلان في معركة ملاذكره، ولكن سرعان ما قتل في أحد معاركه في بلاد ما وراء النّهرِ بعد ملاذكره بسنةٍ واحدةٍ؛ ليخلفَه ابنه ملك شاه الذي وصلت دولته من الصين شرقا إلى بحر مرمرة غربا، وهي الدّولة التي عُرِفت بدولة السّلاجقة الكبرى.() وقد حدث التنافسُ بين أبناء البيت السّلجوقي، ممّا أدّى إلى انقسامات أخرى، وهذا أعطى طابعَ الفرقةِ والتّشتت في أواخر القرن الخامس الهجري. وهي الفترةُ التي شهدت الحركة الصليبية الغربية()

السّلاجقةُ والشّامُ

كان الزعيمُ الترّكماني أتسز قد أنتزع –مند أعوام –بيت المقدسِ من الفاطميّين، غير أنّ تتّش أخ ألب أرسلان قتلهُ، وغدَت القدس وفلسطين بأسرها تحت سيطرته، وبعد موت تتّش اقتسم ابناه بلاد الشّام؛ فحكمَ أكبرهما رضوان منطقةَ حلب. وأبدى ميلا نحو الفاطميّين في القاهرةِ، في حين عهد أخوه الأصغرُ بالحكم في دمشقَ إلى أتابكه طغتكين .


وأمّا في بغدادَ فإنّ المسؤولين السياسيين كانوا السّلاطين السّلاجقة، الذين يساندون الخليفة العباسيَّ.() وفي الشّرق –في العراق وايران- تفاقمتِ الخصومات العائليّةُ بين السلاجقةِ اعتبارا من سنة 1096م. وتصدّعت إمبراطوريّتهم. وفي حلب لم يكن لرضوان –من همٍّ- سوى الاحتفاظُ بمنصبه في مواجهةِ أطماعِ جيرانه من أبناء عمّه. وأمّا أخوه الأصغر –دقاق- فقد عهد بالسلطة إلى أتابكه طغتكين، الذي حكم دمشقَ دون الاهتمام بما يجري في الشّمال .


وكان مسيحيّو الشّرقِ أنفسُهم بعيدين عن تشكيل جبهة موحّدة في وجه اللاتين، وكانوا يتصادمون بينهم، وكثيرا ما يقفون ضدّ التّراتبِ السُّلطويِّ البيزنطيِّ.()


الوضعُ في مصرَ

كانت مصر في هذه الأثناء تحت حكم العُبيديين (الفاطميين)، وقد بدأ حكمهم في مصر سنة (358ه-969م)، بعد عدّة محاولات لاحتلالها على مدار أكثرِ من خمسين سنة سابقةٍ، ثم آلت إليهم في النّهاية مع شمال إفريقيا، بل وامتدَّ حكمهم إلى الشّام والحجازٍ.

وفي سنة 487هـ/1094م انقسمت على نفسها بعد وفاة خليفتهم المستنصرِ، وتكوّنت فرقتان كبيرتان: الأولى هي الّتي تقطنُ مصرَ وتحكمها وهي المستعلية الإسماعيلية، الذين كانت لهم أطماعٌ كبيرةٌ في الشّام وفلسطينَ، ولذلك فإنّهم كانوا في حروبٍ مستمرةٍ مع السلاجقةِ السّنةِ، ولم يكونوا يمانعون أبدا في التّحالفِ مع الرّوم البيزنطيّين تارة، ومع الصّليبيّين أنفسَهم تارة أخرى، في سبيل القضاء على السّلاجقةِ، واقتطاع جزءٍ من أرض الشّام وفلسطينَ. وكان الغزنويّون يُسيطرون على أفغانستانَ والهندِ، ولكنّهم كانوا دخلوا في وقت أُفولهم، وبالتّالي ضعفت قوّتهم جدّا عن نصرة بلاد الشّام .


أما اليَمنُ فقد كانت مقسّمةً بين ثلاث طوائفَ هم: بنو نجاح، والصّليحيون، وبنو زريع، وكانوا يَدينون بالولاءِ للدّولة العُبيديّة في مصرَ.()


أحوالُ المغربِ والأندلسِ

1_ كانت تونس تحت حكم آلِ زيري، وكانوا أيضا قد دخلوا في طورٍ من الضّعف، ممّا أدّى إلى فقدِ ثغرٍ من أعظمِ الثّغورِ الإسلاميّة وهي جزيرة صقلية، حيث استطاع الإيطاليون النّورمانيّون أن يُسيطروا عليها تماما سنة 484هـ/1091م، وزال نفوذُ آلِ زيري عنها، وبالتّبعيّة زال وجودُ المسلمين من الجزيرةِ، بعد حكمٍ دام مائتين وسبعين سنةً متّصلة.


2_ أمّا بلادُ المغرب العربيّ وغربِ إفريقيا والأندلسِ فقد كانت هذه المناطق تابعة لدولة المرابطين العظيمةِ، تحت قيادة قائدهم الفذّ يوسفَ بن تاشفينَ –رحمه الله- وهو من أعظمِ القادةِ في تاريخِ الإسلامِ، وهو الّذي أنزلَ بالصّليبيّين القادمين من شمالِ إسبانيا وفرنسا الهزيمةَ السّاحقةَ في معركة الزلاقة سنة 479هـ/1086م في وسطِ بلاد الأندلسِ. وهذه الدّولة الكبيرةُ لم تكن تستطيع أن تساعد بلاد المشرق في حروبهم ضدّ الصّليبيّين، لا لبعد المسافةِ فقط ولكن لانشغالهم الشديد في حرب الصّليبيّين شمالَ الأندلس، والوثنيّين في غرب إفريقيا ووسطها.


ظهور الدّولة الفاطميّةِ

شهِد العالمُ الإسلاميُّ –في ذلك الوقت –تطوّرا خطيرا، إذ نجح الفاطميّون في غزو مصرَ سنة 969م، والقضاءِ على حكم الإخشيديين فيها، وبذلك أصبحت مصرُ ومُلحقاتُها في الشّام حتّى دمشقَ مركزا لخلافة شيعيّةٍ منافسةٍ لخلافةِ بغدادَ السنّيةِ. وهكذا قُدِّر للعالم الإسلاميِّ في الشَّرق الأوسطِ أن يظلّ طِوال قرنينِ (969م-1171م) منقسما على نفسه بين خلافتين ومذهبين مختلفين: الخلافة العبّاسية السنّيةُ في بغدادَ، والخلافة الفاطميّة الشّيعيّةُ في القاهرةِ؛ ممّا ترك أثرا خطيرا في قوّة المسلمين في الشّرق الأدنى، ظهرت نتائجه فيما بعدُ على عصر الحروب الصليبية.()


أطماعُ البيزنطيّين في الشّرق الإسلاميِّ

بدأت الدّولة البيزنطيّة تقف موقفا حازما من المسلمينَ، حتّى أنّها –في بداية القرن الرابع الهجري- ضمّت معظمَ مدنِ الجزيرةِ تحت السّيطرة البيزنطيَّة، ثمّ سقطت الجزرُ التي كان المسلمون قد سيطروا عليها في البحرِ الأبيض المتوسط مثل، كريت وقبرص وذلك في سنة (350ه-961م). ممّا أعاد للأساطيل البيزنطيّة السّيطرة من جديد على البحر الأبيض المتوسط. ثمّ حدث أمر ٌكبيرٌ في سنة (358ه-969م)، حيث سقطت أنطاكية -وهي من أهمّ المدن- في يد البيزنطيين، وكان لهذا دويٌّ هائل في العالمين الإسلامي والمسيحيِّ.()


لقد كان النّصف الثّاني من القرن الرّابع الهجريِّ ميداناً واسعا للبيزنطيّين، اجتاحوا فيه أعالي الشّام والعراق، حتّى وصل الأمر إلى أن دفعت الموصل وميافارقين وديار بكر، بل وحمصَ ودمشقَ الجزيةَ للإمبراطورِ البيزنطيِّ .


ومن الجدير بالذّكرِ أنّ هذه الحملةَ الأخيرةَ للإمبراطور البيزنطيِّ كانت تستهدف بيت المقدس، إلّا أنّه لم يستطع الوصول إليه، وكانت تفيض من كلماته ورسائله العبارات الدّينيّة التي تؤكّد الرّوحَ الصّليبيّةَ الّتي كان مشحونا بها في حربه.()


خاتمة

لستُ أدري إن كان التاريخُ يعيد نفسَه أم لا، ولكنّ الظروفَ التي تعيشها الأمّة –اليوم- من تشرذمٍ وفُرقةٍ وتصارعٍ يجعلنا نشعر أنّنا نعيش نفسَ الظّروف التي عاشها العالم الإسلامي، عشيّة الاحتلال الصّليبيّ لأرضنا المقدّسة.


لا الغربُ الصّليبيّ ولا الصّهيونية اليهودية تفوّقوا علينا قديما ولا حديثا إلا لما سرَت بيننا الفُرقةُ والخلافُ، فتشتّت شملنا وذهب ريحنا وسقطت هيبتنا من عيون الناسِ.


مهما كانت قوّة العدوّ كبيرة فإنّ الهزيمةَ دائما تأتي من الداخلِ، والصّلبيبة الأولى لم تنجح في السّيطرة على المشرق لِما يقرُب من قرنين من الزّمان إلّا لمّا دخلت الأهواءُ والفتنُ وحبّ الدّنيا بين صفوفنا، ورسولنا صلّى الله عليه وسلّم يقول لنا: "توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أَمِن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، ولكنّكم غثاءٌ كغثاءِ السّيل ولينزعَنَّ الله المهابةَ من صدورِ أعدائكم وليقذفنَّ في قلوبكم الوهنَ. قالوا: وما الوهنُ يا رسول الله؟ قال:حبّ الدّنيا وكراهيّة الموتِ."


وهكذا نحن قديما وحديثا، كلّما اتّخذنا الأسبابَ وجمعنا صفوفنا، وتوحّدت كلمتُنا كنّا سادةً، وكلّما ضَعُفنا وتشتّتنا وتنازعنا إلّا وتحقّ علينا سنة الله تعالى في الهزيمة، ويعاقبنا الله بحرماننا من بيت مقدسنا، فمثلما قاد العلماءُ الصّحوةَ الأولى لاسترداد بيت المقدسِ، فلا بد الآن من صحوةٍ معرفيّةٍ تضع الأساسَ للفتح الثّالث لبيت المقدسِ، والصّحوة لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا إذا كُنا عبادَ الله إخوانا.


المصادر والمراجع