التحرير الاوسط لبيت المقدس

من موسوعة بيت المقدس الإلكترونية
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

إنَّ المتأمِّلَ في تاريخ المسلمين منذ وجود دولة الإسلام يعرف جيداً منَعَتها وخوف أعدائها منها، فالفتوحات كانت حليفةَ المسلمين دوماً، وبيتُ المقدسِ فُتِح أوّل مرّة في العهد العمريِّ، ليبقى في كنَفِ المسلمين يؤدُّون فيه شعائرَ التَّوحيدِ وتكونَ لهم العزة به، حتّى استولى عليه النَّصارى من جديدٍ، رغم تناحرهم فيما بينهم في وقتٍ كان المسلمون أضعفَ ما يكونون حيث الفرقة والنّزاعُ .


لكن الله هيّأ نصرَه بجنده، فانطلقَ شرفُ الدَّولة موْدود للجهادِ، لكنَّ يد الغدر لم تبقِه، فتابع الخطى عمادُ الدّين زنكي، وأيقظ الأمل وأشعل قبَس الجهادِ، ولاح نجمُه لكنَّ المنيَّة تسبقُ النَّصرَ، ليُصبح ما أقامه شاهقاً بيد ولده نور الدين، الّذي استكمل المسيرَ ليُتابع بعدهم صلاح الدينِ .


يعتمدُ هذا البحثُ على الفيلمِ الوثائقيِّ لقناةِ الجزيرةِ بعنوان الحروبِ الصّليبيةِ – الوحدة، والّذي قدّمه ثُلّةٌ من الدكاترةِ، كما يعتمدُ على محاضراتِ الدّكتورِ ماهر يونس أبو منشار، الّذي زادني معرفةً بتاريخنا الحافلِ .

https://youtu.be/CZekGTfcc4U


سأتحدّث في هذا البحثِ عن الفتحِ الأوسطِ مبيّنةً فيه ما يلي:

الوريث الشرعي لمشروع التحرير

حرّكتِ الأطماعُ جحافلَ الغزاةِ وازدادت أطماعُهم للاستيلاء على مصرَ، لكنَّ نورَ الدّينِ هيّأ جيشاً، وأرسلَ صلاح الدّين الشّابَ الكرديَّ ليشقَّ طريقه لمُلك مصرَ وثرواتها وكنوزِ الفاطميينَ، فوافقه القدَر ليبنيَ جيشَهُ، ويوطّد قلعته، ليصلَه خبرُ وفاةِ قائده نور الدّين 569هـ /1174م مع أخبار نزاعِ الزّنكيين على إرثهِ؛ لعدم قدرة ابنه الصَّالح إسماعيلَ الصّبيِّ الصّغير على إدارة الحكمِ .


خبرٌ صاعقٌ صاحبَه إصرارُ صلاح الدّين الوريثِ الشّرعيِّ لمشروع نور الدّين، لمواصلة درب المعلّمِ والمضيِّ على نهجه للوصول للتّحريرِ، مقرِّراَ العودة لدمشقَ؛ ليجعلها معقلاً لجهاد الصَّليبيينَ، فوصل ليجد أنَّ من يعارضونه قد خرجوا لحلبَ خوفاً بصحبة الصالح إسماعيلَ. وبدأ العملَ بعقد هدنة مع الصّليبيين، بعد أن طلبها ريمون كونت طرابلسَ، الّذي كانت له الوصاية بعد موت عمّوري الأولَ، وانتقال العرش إلى بلدوين الرابعَ، الغلام الأقلُّ كفاءةً عكسريّةً من الذي سبقه، فقد قَبِل بها صلاح الدّين كوسيلةٍ يحقّقها لكسبِ الوقتِ، والاستعداد والتّهيئة أثناء المدّة التي اتّفقوا عليها، وهي عشر سنواتٍ وعشرة أشهرٍ وعشرة أيامٍ.


ثمَّ بدأ صلاح الدّين بالإصلاحات الدّاخليةِ، فقضى على النِّحَل الباطلةِ، ووحّد الكلمةَ، وشحذ همّة النّاسِ للجهادِ، فاستجابت الأمّة لندائه ولبّت دعوته، وبدأ بفتحِ واسترداد المدن أوّلها حلبَ، الّتي تحصّن بها الزنكيون المعارضونَ، والّذين باءت محاولات قتلهم له بالفشلِ، ففتحها بعد موت الصّالح إسماعيلَ، لتصبحَ مصرَ وبلادَ الشّامِ جسداً واحداً .


وفي العام 1186م توفّي الملك المجذوم، آخر ملكٍ صليبيٍّ لتنتقلَ السُّلطة لأخته الّتي تزوّجت أحدَ نُبلاء الفرنسيين، فأصبح ملكاً مع ضعف إمكانياته، ثمّ قوي نفوذهم بتحالفهم مع فرسان الهيكلِ، وبدأوا التّخطيطَ حتّى قرّر رينو دي شاتيو أو أرناط محتل الكَرَك غزوَ الحجازِ لهدم الكعبةِ ونبشِ قبرِ الرّسول صلى الله عليه وسلم، لكنّه فشِل وبات في قبضةِ جنودِ مصرَ ليُصدِرَ صلاحُ الدّين حكم إعدامه ليكونَ عِبرةً، رغم معارضة أخيه العادلِ.


ثمّ عاد أرناط لاستفزاز المسلمينَ، منتهكاً معاهدة الهدنةِ، وهاجم قوافلَ الحجيج، وقافلةً تجاريةً كبيرةً للمسلمينَ، نهبوا ما كان فيها وقتلوا وأسروا من بقيَ، فارتفعتْ وتيرةُ الغضبِ لدى صلاح الدّينِ بعد أنْ أصبح لديه مناخاً عسكرياً مناسباً، واعتبر أنَّ الوقتَ قد حان لتحقيقِ مشروعِ التّحرير


الاستعداد لملاقاة الأعداء

أعلنَ صلاح الدّين الاستنفارَ، وبدأ التّخيططَ مع القُوّاد للمعركة الحاسمةِ، وفرَضَ المعركةَ عليهم مكاناً وزماناً وكان صاحبَ القرارِ، فحاصرَ قلعةَ طبريا واستولى على بُحيرتها، بينما الصّليبيون متجمّعون في عين صفّوريةَ، حيث توفّرُ المياه يعقدون اجتماعاتهم ويتناقشونَ، فالبعضُ يشير بالخروج للقاءِ المسلمينَ، والبعضُ الآخرُ يشير بانتظارِ قدومهم، فتنافروا حتّى اتفقوا على الخروجِ واستعدّوا لملاقاة المسلمينَ، وبذلك نجحتْ خطّة صلاح الدّينِ باستدراجهم في طقسٍ حارٍّ جداً مع عدم توفّرِ خطوطِ تموينٍ لهم .


معركةُ حطِّين ونتائجُها

وصل النّصارى لحطّينَ بعددهم الكبيرِ، وتواجه الجيشان فأشرق وجهُ الإيمانِ، وأظلم وجهُ الكفر والطّغيانِ، ودارت دائرة السَّوء على عبدةِ الصّلبانِ، ليحاصَروا ما بين النّبال والحرِّ والعطشِ والنّارِ التي أشعلها المسلمون تحت سنابكِ خيولهم، وخطَب صلاح الدّين بجيشه مشجّعاً رافعاً معنوياتهم، ثمّ أمر بالتّكبير وبدأ الجهادُ، وهو في مقدّمة الصّفوف، يحثّ الجيشَ ويحمل بهم.

انتهتِ المعركةُ بالنّصرِ المبينِ للمسلمينَ بعد طول جهادٍ وصبرٍ ومنازلةٍ وقتلِ الآلافِ من الصّليبيين، وأخذ المسلمون صليبَهم فانكسرت شوكتهم .

العزمُ والمضيُّ لفتحِ بيتِ المقدس

كانت وقعةُ حطّينَ أمارةُ ومقدّمةُ فتحِ بيتِ المقدسِ، فصلاح الدّينِ لم تقفْ همّتُه عند هذا، بلْ كان فتحُ بيتِ المقدسِ حلُمًا يراوده وهدفاً يسعى له، ولكنَّ ذلك يحتاج وقتاً وتخطيطاً، فعمل أوّلا على استرداد مدنِ السّاحل الشّاميِّ ومنهم يصل لبيتِ المقدسِ، فتمكَّن من ذلك باستثناء صورَ، الّتي تحصّن فيها من بقيَ من النّصارى من معركة حطّينَ

سارَ صلاح الدّينِ نحو بيتِ المقدسِ ليجدها محصّنةً فحاصر أسوارها، وبدأت المناوشاتُ ثمَّ كانت المعركةُ والعيون تنظر لداخل الأسوارِ، حيثُ الصّليبُ منصوبٌ، فزاد ذلك أهلَ الإيمان شدّةً للتّشميرِ، وأحسّ الصّليبيون بالهزيمةِ فقصدوا السّلطانَ ليعطيَهم الأمانَ لكنّه رفضَ، فكرّروا المحاولةَ حتّى أجابَ إلى الصّلحِ؛ لوجود أسرى مسلمين معهم، ولكنْ مع عددٍ من الشّروط أخذها عليهم فوافقوا، ودخلَ المسلمون صبيحةَ يومِ الجمعةِ 27 رجب583ه/2اكتوبر1187م، وخرج الصّليبيون أذلّةً صاغرينَ، ومن بقي عاملَهم برأفةٍ ورحمةٍ وعدلٍ ودفع الفديةَ على من لم يستطع. طُهِّر بيتُ المقدسِ ودخلَه أهلُ الإيمانِ، وأُقيمَت صلاة الجمعة بعد الفتحِ بثمانيةِ أيّامٍ بعد توقّف الصّلاة فيه تسعين سنة، وأتى صلاح الدّينِ بمنبرِ نورِ الدّينِ، ووضعَه في الأقصى ليصعدَ عليه محي الدّين بن الزكي خطيباً، وخطب بالنّاس وقلوبُ المؤمنين مليئةٌ بالفرحِ والسّعادة.ِ


استمرارُ الأنظارِ نحوَ بيتِ المقدسِ

بقيتْ أنظارُ الصّليبيينَ على بيتِ المقدسِ، فخرجوا من صورَ وقدِموا من الغربِ، بعد تحريضِ النّاسِ للبدءِ بحملةٍ صليبيةٍ ثالثةٍ مموّلةٍ من ضرائبَ أسْمَوها عُشورُ صلاحِ الدّينِ بقيادة ملوكٍ ثلاثةٍ: أشرسُهم قلبُ الأسدِ ريتشارد الأوّلَ الّذي وصلَ إلى عكّا وحاصرَها عامينِ، واستولى عليها في 12 يوليو1191م وقتل آلاف المسلمين فيها .


النّصرُ الجديد

كان صلاحُ الدّينِ عاجزاً عن فكّ الحصارِ، يتجرّع مرارة َالمجزرةِ بحقّ المسلمينَ، مدركاً خطورةَ الموقفِ فتحصّن في المدينةِ المقدّسةِ وتهيّأ لحصارٍ طويلٍ، وقلبُ الأسدِ ينتظرُ تحقيقَ حلُم الانتصارِ بعد تهديدِ عرشهِ في بلدهِ، فأصبحتْ حاجتُه لهدنةٍ مع صلاحِ الدّينِ؛ ليعودَ وقد حقّق انتصارا سياسيا ودبلوماسيا بعد فشله في الانتصار العسكريِّ، فأراد لقاءَ صلاح الدّين الّذي رفضَ ذلك، وأرسلَ أخاه العادلَ مدركاً أنَّ الصّليبيين في مأزقٍ كبيرٍ.


واستمرّتِ المفاوضاتُ الّتي قبل بها صلاحُ الدّينِ لتحقيقِ وسيلة، وإعدادِ جيشهِ من جديدٍ، مستغلاًّ وقتَ الهُدنةِ والصّلحِ الّذي توصّل إليه وعُرِف باسم صلح الرّملةِ 2/9/1192 م ولم يقدّم بها أيَّ تنازلٍ عن بيتِ المقدسِ .


ثمَّ انتهتِ الحملةُ بنصرٍ صلاحيٍّ جديدٍ، وعودةِ ريتشارد إلى بلادِه، فاستراح صلاح الدّينِ لكنَّه مرِض لمدّة 11 يوماً، وتدهورت صحّته وتوفي في 4 مارس 1193 م، ومات فقيرًا بعد أن أنفقَ مالَه وصحّته على الجهادِ فكوّن صورةً ذهنيةً فريدةً.


خاتمة

تحقَّق الفتحُ العمريُّ الأوّلُ، ثمَّ الفتحُ الأوسطُ بعدَ جهدِ الفرسانِ الزّنكيينَ، وبسالةَ صلاحِ الدّينِ الّذي لم ينتصر في يومٍ وليلةٍ، ولم تكنِ المهمّةُ سهلةً، بل كان بالجدّ والجهادِ والصّدقِ والعزيمةِ والإعدادِ والتّربيةِ، حتَّى إذا اكتملت أسباب النَّصرِ، وتهيّأ المجتمعُ وقُطِع دابرُ الفسادِ والفتنِ أذِن الله بالنّصرِ والتّمكينِ وبقي بيتُ المقدسِ معزّزاً، إلى أن عاد المسلمون إلى الّلهو والعبثِ والفرقةِ والنّفاقِ، ليعود الصّليبيون إليه من جديدٍ، ثمَّ إنشاءُ الكيانِ العازلِ، وتاريخنا الحافلُ ما هو إلّا لنستفيدَ منه، ونستثمرَ ماضينا لصناعةِ حاضرنا، من خلالِ التّخطيطِ المستقبليِّ لتاريخِ بيتِ المقدسِ الّذي سيتبعهُ التّحريرُ الثّالثُ والأخيرُ إن شاء اللهِ