التوأمة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى

من موسوعة بيت المقدس الإلكترونية
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مقدمة

يعد إقليم بيت المقدس ثالث المدن المقدسة في الإسلام بعد مكة و المدينة ،و به قبلة المسلمين الأولى و وهو أرض الرباط و النبوات، و به المسجد الأقصى المبارك مسرى نبي البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، و هو مسجد بورك فيه و حوله ،و في هذا البحث نتناول علاقته بأول مسجد وضع في الأرض و هو المسجد الحرام ،فما مدى ارتباطهما و تشابههما ؟

تأسيس منطقة المسجد الأقصى

وقعت خلافات كثيرة في موضوع معابد الأنبياء ، وخاصة المسجد الأقصى قبل الفتح العمري ، حيث أن هذه الموضوعات هي من الأكثر حساسية وخلافاً بين العلماء المسلمين وغير المسلمين ، ويعتقد الباحث الدكتور هيثم الرطروط أن محاولة التعرف على المسجد الأقصى من خلال المعطيات القرآنية ربما ستوفر بعض المعلومات المهمة التي ستساعد في حل الإشكاليات المتعلقة بتخطيط "منطقة" المسجد الأقصى .

إن المقصود بالمسجد الأقصى هنا ليس فقط البناء الأموي الذي استُهلّ بإنشائه وبنائه في الفترة الإسلامية المبكرة ، إنما هو ذلك المكان الذي يرتبط تقديسه مع فترات زمنية مبكرة جداً ، منذ ابتداء الوجود البشري .

المسجد الأقصى في القرآن

لقد استخدم القرأن لفظة محددة عندما ذكر "منطقة" المسجد الأقصى وهي المسجد .

وجاء ذكر المسجد الأقصى في القرآن الكريم في النصف الأول من القرن السابع الميلادي بقوله تعالى : " سبحان الذي اسرى بعبد ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير "

الإسراء، وهذا يعني أن القرآن الكريم لا يعتبر أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- أول من أنشأ المساجد في التاريخ ، بل إنه -صلى الله عليه وسلم- قد أحيا فكرة بناء المساجد التي اتبعها الأنبياء قبله .

المسجد في الإسلام

وردت كلمة مسجد في أكثر من موضع في القرآن الكريم ، وحسب ما ورد في معاجم اللغة ، فإن تعريف المسجِد ، هو اسم مشتق من الفعل الثلاثي (سَجَدَ) ،ويطلق المسجد على موضع السجود من الأرض ، وهو مكان للعبادة ، أما اصطلاحاً فيراد به المكان المهيأ لإجراء جميع طقوس العبادة المرتبطة مع الوحدانية. لذلك فإنه لا يمكن اعتبار أي مكان على أنه مسجد ، إنما يجب أن تتوفر فيه مجموعة من العناصر والملامح التخطيطية حتى يصبح المكان مسجداً ..


وهذه العناصر هي : الحيّز ، والحدود ، والقبلة . وهو بلا شك يختلف عن أماكن العبادة في الديانات الأخرى ، التي ذكرها القرآن الكريم ، مثل : البِيَع والصوامع .


وجاء ذكر أول معبد أنشأ على الأرض للناس في القرآن الكريم بقوله تعالى " إن أول بيتٍ وُضِعَ لِلنّاس للذي ببكة مباركاً وهُدى للعالمين " ٩٦ آل عمران ، وحسب ما ورد في القرآن الكريم والسُنّة النبوية فإن أول معبد للأنبياء بُني وأُسس كان بمكة المكرمة ، وتلاه تأسيس المسجد الأقصى بعد ذلك ، بصيغة أخرى فإن تأسيس المسجد الأقصى يرتبط تاريخياً مع تأسيس أول معابد الأنبياء في مكة وهو الكعبة أي المسجد الحرام، و سنتطرق لموقع المسجد الأقصى المبارك بما أننا بصدد الحديث عنه .


المسجد الأقصى المبارك

يقع المسجد الأقصى شرق مدينة بيت المقدس ، وتحد مساحته حالياً أربع جدران ، تختلف في أطوالها وزوايا التقائها ، لذلك فإنه عبارة عن مستطيل غير منتظم الأضلاع ، يتجه شمال جنوب تقريباً ، تقدر مساحته بـ 142000 متراً مربعاً .

من بنى المسجد الأقصى ؟ ولماذا اختار هذا الشكل بالذات ؟

-لو احتكمنا لعلم الآثار حول هوية المنطقة قبل الفتح الإسلامي الأول ، نجد أن هذا العلم يؤكد على أن منطقة المسجد الأقصى كانت فعلاً مبنية في الفترة الرومانية ، وتم تدميرها قبل الفتح الإسلامي ببضعة قرون ، وبنفس الوقت ، علم الآثار لم يقدم الدليل المادي على أن الرومان هم من أسسوا منطقة المسجد الأقصى ، ولم يجزم أن تخطيط هذه المنطقة يعود لمبنى يهودي كما يدّعي كثير من علماء اليهود ، ولا معبد روماني وثني .


-و للوصول إلى أدق النتائج حول طبيعة وهوية هذا المكان ، قام الباحث " هيثم الرطروط " بتناول هذا الموضوع، وإعادة دراسته من زاوية أخرى، بصورة شاملة ترتكز على تعدد العلوم وتقاطعها ، وبناءً على تلك الدراسة ، تم اكتشاف أصل المخطط الذي بنى عليه مؤسس المسجد الأقصى فكره ، ومختلف الأسس التخطيطية التي اتبعها مؤسس هذا المكان

العلاقة بين التخطيط الهندسي لـ"منطقة" المسجد الأقصى والنمط الهندسي للكعبة

من خلال المقارنة بين المسقط الأفقي الحالي لـ"منطقة" المسجد الأقصى ، والمسقط الأفقي " للكعبة " كما تظهر زمن إبراهيم عليه السلام ، قادت الباحث إلى نتائج مذهلة :

1-تتطابق جميع الزوايا الهندسية المحصورة بين الأضلاع الخارجية في المسقط الأفقي لمخطط " منطقة " المسجد الأقصى مع جميع الزوايا الهندسية للمخطط الهندسي للكعبة .

2-وبناءً على ذلك ، تنحرف الأضلاع المتقابلة في مخطط " منطقة" المسجد الأقصى عن بعضها بعضاً ، بنفس المقدار الذي تنحرف فيه الأضلاع المشكّلة للمخطط الهندسي للكعبة .

3-من هنا فإن التخطيط الهندسي لـ"منطقة" المسجد الأقصى يشابه التخطيط الهندسي لـ " منطقة" الكعبة .

الإتجاه في تخطيط المسجد الأقصى

سعى الباحث إلى اكتشاف أوسع وأعمق في هذا الجانب ، فتطرق إلى موضوع ارتبطت به الشعائر الدينية التوحيدية ، وأثّر في تخطيط مبانيها الدينية ، وهو "القبلة" .

يعتبر الاتجاه في الصلاة " القبلة" عنصراً رئيسياً ظهر في تخطيط أغلب المباني الدينية للشرائع : اليهودية ، المسيحية ولدين الإسلام كما ويعتبر الإتجاه في تخطيط المباني الدينية أمر مهم في علم الآثار ،للتعرف على أماكن هذه الديانات المقدّسة والتمييز بين هويتها ، فكنس اليهود لم تتخذ في تخطيطها اتجاهاً ثابتاً في الفترات المبكرة ، في حين أن كنائس المسيحيين اتخذت الشرق اتجاهاً لجميع مبانيها .

وتعتبر الكعبة من وجهة النظر الإسلامية هي القبلة الأولى في التاريخ للأنبياء والرسل قبل تحوّلها إلى بيت المقدس زمن موسى عليه السلام ، وإن من شروط بناء المساجد أن يكون جدار القبلة متعامداً على خط اتجاه القبلة .

واذا اختبرنا الإتجاه في جدران المسجد الأقصى المبارك ، نجد أن الجدار الجنوبي لـ"منطقة" المسجد الأقصى ، يتعامد على الخط الوهمي الممتد من الكعبة إلى المسجد الأقصى ، أي أن المسجد الأقصى قد تم تأسيسه باتجاه الكعبة ، القبلة الأولى للأنبياء والرسل .

ومن كل ما سبق نستنتج الآتي

1- يبدو أن الكعبة ومكانها قد كان لهم أثر في توجيه "منطقة " المسجد الأقصى عند التأسيس .

2-التشابه الكامل بين مخطط الكعبة زمن التأسيس ومخطط " منطقة المسجد الأقصى ، وتقود هذه الملاحظة إلى أن المخطط الهندسي لأحدهما هو نموذج للآخر .

3-يستدل من هذه النتائج ، أن هناك ارتباط زمني بين تأسيس المكانين ، وأسبقية لتأسيس الكعبة على تأسيس "منطقة" المسجد الأقصى ، وهذا يتفق مع ما أورده أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه- في حديثه عن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بقوله قلت ُ:"يا رسول الله ، أي مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أول ؟ قال: المسجد الحرام ، قال: قلت : ثم أيّ ؟ قال: المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. "_متفق عليه_ .

4-ويستدل أيضاً على أن الشخص الذي قام بتصميم مخطط "منطقة" المسجد الأقصى كان على علم بما هو موجود في مكة ،وربما قد عاش في كلا المكانين فترة من الزمن ، وربما كان هو الشخص نفسه ،و قد تعددت الأقوال في ذكر الباني الأول للمسجد الأقصى المبارك ،فهناك من قال أنها الملائكة ، وهذا القول ضعفه الكثير ، لأن الملائكة مخلوقة من نور ،و كل ما على الأرض من تراب ،فكل يعمل على شاكلته ،كما أن الملائكة بنت البيت المعمور في السماء ،و هو خاص بالملائكة، و هناك من يقول أنه سيدنا إبراهيم عليه السلام فقد جاء في القرآن الكريم قول المولى عز وجل:" و إذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت " ١٢٧ البقرة ،أي أن إبراهيم بنى الكعبة و بنى المسجد الأقصى المبارك، غير أن الأرجح أنه جدد بناء الكعبة، و لم يكن أول مؤسس لها ،و لم يبن المسجد الأقصى فقد كان موجودا قبله ،أما القول بأنه سيدنا سليمان عليه السلام، فمردود أيضا لأن النبي سليمان عليه السلام جدد بناء الأقصى المبارك ،و لم يكن الباني الأول له ، و القول بأن شيث ابن آدم هو الباني الأول لا يحوز أي دليل عقلي أو نقلي ،و من هنا رجح كثير من العلماء أن الباني الأول للمسجد الأقصى المبارك و من قبله المسجد الحرام هو سيدنا آدم عليه حسب الأدلة المذكورة سابقا،و قصر المدة الزمنية بين البناء و هي أربعين سنة حسب حديث النبي صلى الله عليه وسلم و أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، ففهم طبيعة وتاريخ تأسيس منطقة الكعبة في مكة ، قد ساعدت كثيراً في وضوح كثير من الأمور المتعلقة بطبيعة وتاريخ منطقة المسجد الأقصى في بيت المقدس ، ولا شك أننا بحاجة إلى المزيد من المعرفة الحقيقية من أجل خدمة هذا الإقليم والحفاظ على هويته .



تطابق الهندسي بين المسجدين :المسجد الحرام و المسجد الأقصى المبارك

اتجاه المسجد الأقصى المبارك نحو الكعبة _المسجد الحرام -

تعريف موجز بالدكتور هيثم الرطروط مكتشف التوأمة بين المسجدين _المسجد الحرام والأقصى المبارك_

الدكتور هيثم الرطروط من مواليد نابلس بفلسطين ،حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة النجاح الوطنية بفلسطين، عام ١٩٩٥م ،كما حصل على درجة الدكتوراه من قسم العمارة و علوم البناء بجامعة "ستراثكلايد" ببريطانيا ،عن التطور العمراني للمسجد الأقصى في الفترة الإسلامية المبكرة ،عمل رئيسا لقسم الهندسة المعمارية بجامعة النجاح ،و له العديد من المقالات الأكاديمية المحكمة منها : المسجد الأقصى في الآثار القرآنية التي كشف بها عن التوأمة بين المسجدين _الحرام والمسجد الأقصى المبارك _و التناسق المعماري بينهما.

وقد حصل على جائزة بيت المقدس للعلماء المسلمين الشبان على طرحه نظرية جديدة لتفسير التصميم و التخطيط الهندسي لقبة الصخرة.

زميل مجمع دراسات بيت المقدس (إسراء) ،في المملكة المتحدة .

خاتمة

و بهذا يبقى المسجد الأقصى المبارك رمز العزة و البركة و القداسة ،التي منحها اياه خالق الكون جل في علاه ،و هو شقيق المسجد الحرام معنويا (البركة )،و ماديا (البناء و الشكل ).















المراجع

الورقة البحثية للدكتور هيثم الرطروط بعنوان " المسجد الأقصى في الآثار القرآنية " مجلة دراسات بيت المقدس (صيف 2005 م ) ، 6: 1، 1-32

ومحاضرات الدكتور هيثم الرطروط في دبلوم دراسات بيت المقدس. رائد فتحي ،الأربعون المقدسية،نادي القدس الثقافي ،الجزائر،دت، ص:٧.