تلخيص فصل بيت المقدس تحت حكم الصليبيين لمصطفى الحياري

من موسوعة بيت المقدس الإلكترونية
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

توالتِ الاحتلالاتُ والسَّيطرةُ على بلادِ الشَّامِ وفلسطينَ خصوصاً، كانَ أشدُّها الاحتلالُ الصَّليبيُّ الذي سبقَه اضطرابٌ وقلقٌ وتنازعٌ على بيتِ المقدسٍ، ففي حين كان المسلمونَ والنَّصارى يعيشونَ حياةً عادلةً بحرّيةٍ، بدأ التآمرُ الفاطميُّ الصَّليبيُّ، تبِعَه تحدّي تركمانيٌّ حكَمَ المنطقةَ 20 عاماً نيابةً عنِ السَّلاجقةِ لتعودَ السَّيطرةُ الفاطميّةُ وتمهّدَ الطّريقَ لاحتلالٍ صليبيٍّ أحدثَ تغييراً جذرياً في جميع النّواحي .


دخل الصَّليبيونَ بيتَ المقدسِ، وقتلوا المسلمين، وأظهروا شعائرَهم، ونصبوا الصَّليب، وحلّوا فيه عقيدة الكفر، وكان يوماً عصيباً على المسلمين، واستمرَّ على هذا الوضعِ، حتّى استنقذه الله عز وجل على يد صلاح الدين الأيوبي وجندهِ، بعد جهدٍ وجهادٍ، وصدقٍ وعزيمةٍ وتربيةٍ .


ولمعرفةِ هذه الأحداثِ لا بدّ من الحديث عن كلِّ غزوٍ واحتلالٍ وسيطرةٍ على بيتِ المقدسِ، وهذا ما سيتمُّ تبيانهُ في هذا البحثِ:


بيتُ المقدسِ قبلَ الاحتلالِ الصَّليبيِّ وحالُ النَّصارى

كانت بيتُ المقدسِ في العصرِ الفاطميِّ تحت حُكمِ الخليفةِ الحاكمِ بأمرِ الله، الّذي اضطهد المسيحيين في مدينة بيت المقدسِ، وأمر بهدم ِكنيسة القيامة عام 1009م، فهاجر الكثير من النَّصارى إلى الأراضي البيزنطيةِ، وأدَّى ذلك لخلافٍ بيزنطيٍّ فاطميٍّ، تبعته مفاوضاتٌ مع الحكَّام الفاطميين، آخرهم المستنصر بالله بعد وفاة الظاهر وقبله الحاكم .


ونتج عن المفاوضات إلغاءُ بعض القراراتِ بحقّ النّصارى، ثمَّ إعادةُ بناءِ الكنيسةِ مقابلَ اطلاقِ سراحِ أسرى مسلمين، وعقدوا اتفاقاً نقضه البيزنطيون دون ردّة فعلٍ من الفاطميين، ثمَّ استؤنفت العلاقاتُ الطّيبة بينهم وكانت أوضاع المدينة المقدّسة مزدهرةً، لكنْ سُرعان ما تدهورت العلاقات من جديدٍ، فأدَّى الوضع لظهور دولة السَّلاجقة وتقدُّم قوّاتهم والقبائلَ الترّكمانيةِ نحو بلاد الشَّامِ.

الاحتلالُ الترّكمانيُّ لبيتِ المقدسِ

في العام 465ه – 1073م استولى الترّكمان بقيادةِ أتسز على مدينة بيت المقدسِ، بعد أن حاصروها 40 يوماً، وفُتِحت لهمُ الأبوابُ دون قتالٍ، بعد أن أَعطوا الأمان للفاطميين، وبقيت الحاميةُ العسكرية الفاطمية في المدينةِ، والتي تتألّف من الأتراكِ الذين انضمّوا للترّكمان ومن الرجّالة السّودان والمصامدة البربرِ.


وبعد أربعِ سنواتٍ ذهب اتسز لمصرَ لإقامة نفوذِ الخلافة العبّاسيةِ والسُّلطنةِ السُّلجوقيةِ، فهُزم فيها وعاد لدمشقَ فاستغلَّ المؤيِّدون للفاطميين الوضعَ، واستولَوا على أملاك الترُّكمانِ في المدينة المقدّسةِ، واعتقلوا النّساءَ، فعاد اتسز للمدينة محاولاً دخولها مرّاتٍ عدّة لكنّه فشِلَ، إلا أنَّ هُروبَ النِّساءِ من الأسرِ ساعدَهم، ودخلوا المدينةَ سرّاً من حيثُ خرجتِ النّساءُ، وهاجموا الثّائرينَ وقتلوا الآلافَ، وأعادوا سيطرتهم على المدينةِ.


ثمّ عاد اتسز لدمشقَ وأقام على المدينة قرموشَ الذي سلّم المدينةَ لأرتق بن أكسب، بتعيين من تتش بن ألب أرسلان، بعد أن جاء للشّام ليعزِّزَ الترُّكمانَ ضدَّ التّهديدِ الفاطميِّ، وقتَل اتسز عام 473ه – 1079م، فحكم بنو أرتق المدينةَ المقدّسةَ عشرين عاماً، وتميّزت فترةُ حكمهم بالازدهارِ، وبنو مسجداً جديدًا في المدينةِ، وحوّلوا كنيسةَ القدّيسِ حنّة الخربِة إلى مدرسةٍ للشّافعيةِ وأانشئوا مدرسةً للحنفيةِ .


وبعد وفاةِ ارتق سُلِّمت المدينةُ لولديه، الّلذان خرجا منها بعد قتالٍ وحصارٍ للمدينةِ دام 40 يوماً مع الفاطميين بقيادةِ الوزيرِ الأفضلِ عام 1098 م، وعادت السّيطرة الفاطميةُ.


اللّاتين في مدينة بيت المقدس

بعد سيطرةِ الأفضلِ على مدينةِ بيتِ المقدسِ، وضمّها للملكِ الفاطميِّ وتقدُّم الفرنجةِ لاحتلالها، وفشلِ التّفاوضِ فيما بينهم، وصلت قوّاتُ الفرنجةِ لأسوارِ المدينةِ عام 1099، وحاصروها بعد أنْ لجأ إليها الآلافُ منَ المسلمين للحمايةِ خلف أسوارها، وترَك الكثيرُ من النّصارى المدينةَ للمسلمين خوفاً من تعاونهم مع الفرنجةِ، واستمرَّ حصارُ المدينةِ والهجوم عليها 40 يوماً، استخدموا فيها الأسلحةَ والبرجَ الّذي بنَوه، وباءت محاولات المسلمينَ في التَّصدّي لهم بالفشلِ.


وفي 15 تموز 1099م تمكَّن الفرنجةُ منْ دخولِ المدينةِ، وقتلوا الآلافَ واتّجهوا نحوَ المسجدِ الأقصى وأراقوا دماءَ المسلمين فيه، حتّى وصلَ العددُ إلى حوالي 70 ألفاً دون أنْ يفرِّقوا بين صغيرٍ أو كبيرٍ أو عالمٍ، ولم ينج إلّا القليلُ، وأُجبِر الأسرى على تنظيفِ الشّوارعِ منَ الجثثِ، الّتي ملأتِ الطّرقات والّتي جُمِعت في أكوامٍ، وأُحرِقت ورُمِيت من فوق الأسوار للخارجِ، وكانت رائحة الجثث المتعفّنة لا تزال تلوّث الهواءَ عند قدوم القسّيسِ فوشيه دو شارتر للمدينةِ .


وأقام الصّليبيونَ شعائرَ الكفرِ والطّغيانِ، ونصبوا الصّليبَ وأحدثوا تغييراتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ، واستولَوا على الذّهبِ والسّلاحِ حتّى صار فقيرهم غنياً، وغيّروا ملامحَ المدينةِ، وحوّلوا المدارسَ إلى كنائسَ، وحوّلوا قبّةَ الصّخرةِ في المسجدِ الأقصى إلى كنيسةٍ، عُرِفت باسم كنيسةِ أقْدسِ المقدّساتِ أو معبد الرّبِ وكذلك معالمُ أخرى، وجعلوا المسجدَ مقراً لهم، وأصبح هذا اليوم عيداً وطنياً لهم تخليداً لدخولهم بيتَ المقدسِ واحتلاله، الذي استمرَّ حوالي 80 عاماً .

إعادة توطين الناس في المدينة

في تمّوز 1099 أُخلِيت المدينةُ من سكّانها وحلّ محلّهم الفرنجةُ، إلّا أنَّ خوفهم وعدم الاطمئنانِ، وعودةِ الكثير من الّذين شاركوا في الحرب لبلادهم، إضافةً للوضع الاقتصاديّ السيئ، ونَقص المهارات المهنية والخبرةِ، أجبَر الفرنجةَ لترك المدينة، وأدرك بلدوين الأوّل أهميةَ جلب نصارى من سوريا، ونصارى المدينةِ الذين تفرّقوا في الأريافِ والسّاحلِ فأرسل إليهم، وعادوا إلى لمدينةِ ومُنِحوا مساكنَ داخلها.

واعتُبرت مدينةِ بيتِ المقدسِ عاصمةً للمملكة اللّاتينية في الشّرقِ، وهذا جذب السّكان من النّصارى لها بشكلٍ أكبرَ حتّى بلغ عددُهم عشرةَ آلاف شخصٍ من بلدانٍ ومناطقَ مختلفةٍ .إلّا أنَّ هذه الزِّيادةَ السّكانية أدّت لنَقصٍ في الموادّ الغذائيةِ، التي كان عليها ضريبةُ فطلب البطريرك من الملك إلغاءها عام 1120 م .


المجتمع والحياة الاجتماعية في مدينة بيت المقدس

قبل احتلالِ الفرنجةِ كان للمدينةِ المقدّسةِ بنيةُ اجتماعيةُ وإداريةُ خاصةُ، تركّزت في الحاكمِ العسكريِّ (الوالي) وممثّلي مختلف دواوينِ الحكومة وقاضي يتبعه شهودُ وكتّابُ، وبعد الاحتلال برز مجتمعُ جديدُ من اللّاتينِ، ينقسمون إلى فئاتٍ أعلاها الطبقةُ الحاكمةُ والقوّة المقاتلةُ ثمّ الفلّاحين، وتدريجياً برزت طبقةٌ جديدةٌ متميّزةٌ من غير النّبلاءِ؛ نتيجةً لامتيازاتٍ منحها بلدوين الأول إلى كهنةِ القبرِ المقدّس والسّماح للرّعايا أن يتنازلوا عن مداخيلهم للقبرِ، وشاركت هذه الطّبقة في إدارةِ الحياةِ الاقتصاديةِ بالمدينة والبعض منها شارك في الجيشِ .


كما شكّلت هيئتان عسكريتان ( الداوية والاسبتارية) خضعتا لمجموعةِ أنظمة وقواعدَ خاصةٍ بهما، وخضع النّصارى المحلّيون والشّرقيون لمحاكم خاصة بهم.


أمّا التّقسيم الإداريّ فقد أصبحت المدينة المقدّسةُ عاصمةً للمملكةِ اللّاتينية، يترأّس الملك حكومتَها وينوب عنه في إدارة شؤون المدينة الفيسكونت ويساعده المتحسب، وشملت أعمالهم جميع سكّان المدينةِ الذين يعملون في التّجارة والحِرف، وفي النّواحي الأخرى كانوا يخضعون لمحاكمهم الخاصّة أو المحاكم العليا في المحكمةِ. واحتفالاتهم الّتي تشكّل جانباً مهمّاً من جوانبِ حياتهم كانت كثيرةً، أهمّها عيدُ الفصحِ ثمّ أُضِيفت احتفالاتٌ أخرى مثل، الاحتلال السّنوي باحتلالهم المدينةِ، والذّكرى السّنوية لانتخاب الدّوق غودفري حاكماً على المدينة والاحتفالِ بتتويج الملك عند اختياره واحتفالات أحد الشّعانين.


مدينة بيت المقدس والفتح الأيوبي والحملات الصليبية

استمرّ الاحتلالُ الصّليبيُّ لبيتِ المقدسِ رغم خوفهم من المسلمين، فقال برنارد دي بلانكفور "إنَّ أشدَّ ما يخيفه أن يقوم مسلمٌ واحدٌ بإعادة توحيد المملكتين البالغتي القوّة في القاهرة ودمشقَ، ويمحو بذلك اسم النّصارى ذاته."


وبالفعلِ ظهرَ هذا المسلمُ وهو صلاح الدّين الأيّوبي، الّذي استنقذه الله ليطهّر البلادَ، وكان قائداً في جيش نور الدين الزنكي، فتقدّم الصّفوف وجاهدَ حتّى هزم الفرنجةَ في حطّين في تمّوز 1187م، وكانت هذه المعركةُ أمارةً ومقدّمةً لفتح بيتِ المقدسِ الّتي حاصرها وعزم على فتحها، واسترْدادها بالقوة مردّداً: ( لاَ أفتحُها إلّا عُنوةً كما اقتحمتُموها أنتُم عُنوةً، ولا أترك بها أحداً من النّصارى إلّا قتلتُه كما قتلتُم أنتم من فيها من المسلمين.) وبدأت المفاوضاتُ، وهدّد النّصارى بقتلِ أسرى المسلمينَ ثمّ أجاب السُّلطانُ للصّلحِ مع عدّة شروطٍ، أخذها عليهم فوافقوا عليها وخرجوا أذلّة وهم صاغرونَ .


وبدأَ صلاح الدّين الأيوبيُّ بإجراءِ تصليحاتٍ، وحصّن سورَ المدينةِ جيّداً، وأزال الصّليبَ، ونظّف المسجدَ الأقصى، وأعادَ قبّة الصّخرةِ إلى مصلّى، وغسلها بماءِ الوردِ، وجدّد محرابَ الأقصى وترخيمه، وجلب مِنبر نور الدّين من دمشقَ، وجدّد بناءَ المسجدِ، وعيَّن الأئمّةَ والخطباءَ، وغيَّر بعضاً من المباني الصّليبيةِ، فحوّل كنيسةَ القدّيسِ حنة إلى مدرسةٍ للشّافعيةِ ودُعيَت الصّلاحيةَ، وأشرف على الأعمالِ بنفسه، وشاركهم إياها ونقل مقرّه لداخل المدينةِ، وأحدث الأيوبيون تطوراً كبيراً داخل سور المدينة.


وبذلك تمّ توطينُ المسلمين في مدينةِ بيتِ المقدسِ بين عام 1193 و1219م، وتميّزت الحياةُ بالهدوءِ رغم الصّراعِ بين ملوك الأسرة الأيوبيةِ، لكنَّ هذا الهدوءَ قابله ذعرٌ أيّوبيٌّ بعد وصول الحملة الصّليبية الخامسةِ، وحصارِ الصّليبيين دمياطَ والاستيلاءِ عليها 1218م فاستشار الملكُ الأيّوبيُّ المعظّم عيسى أمراءَ مصرَ، وقرّر تخريبَ سور المدينةِ، وبدأتِ الأعمالُ 1219م وبدأ الهدمُ ولم يبق إلّا برج داودَ


فعادت هجرةُ سكّان المدينةِ، لفقدهم الأمان والطمأنينةَ، وأصبحتِ المدينة شبه خاليةٍ، وكأنّها مزاراً للحجّاج ورجال الدّولة والعسكرِ، وبقيت لمدّة زادت عن قرنٍ ليست أكثرَ من قرية صغيرةٍ. وفي عام 1299م اتّخذ الملك الأيوبيُّ الكامل قراراً بتسليم المدينة ما عدا المسجد الأقصى، وذلك بعد مفاوضات مع الإمبراطور الألمانيِّ فريدرك الثاني، واستمرّ الحكمُ الصّليبيُّ الجديدُ للمدينةِ حتى 1239م العام الذي تمكّن ملك الكرك الأيوبيُّ من استرداد المدينةِ وهدم برج داودَ، ليعود الاحتلال الفرنجيُّ من جديدٍ عام 1243م، ثمّ يستردّها الخوارزميون عام 1244م، ثمّ يعودُ الحكم الإسلاميُّ المستمرّ ليومنا، والذي صاحبه احتلال بريطانيٌّ صَهيونيٌّ.


وبقيت مدينةُ بيتِ المقدسِ خراباً لمدةٍ طويلةٍ، ولم تبدأ في النّهوض البطيء والتّدريجي من كبوتها إلّا بعد عام 1291م .


أيّام عصيبةٌ مرّ بها بيتُ المقدسِ ومدينته ومسجده الأقصى المباركِ، فما أحوجنا أن نعرف هذا كلّه في ظلّ تِكرار التّنازع على الموضع نفسِه، خاصّة مع ما وصلت له أمّتنا، وحاجتها لصلاح الدّين وشجاعته وعدلهُ، ولنتأمّل من خلال الأحداثِ سماتَ النّصرِ والهزيمةِ وعواملِ الضّعفِ والقوّةِ.

المعرفة تقود التغيير والتحرير والعمران