دوافع الحملات الصليبية على المشرق الإسلامي

من موسوعة بيت المقدس الإلكترونية
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

منذ فجرِ التاريخ والصّراعُ قائمٌ بين الحقِّ والباطلِ، وفي تاريخ الأمّة الإسلامية فتراتٌ تأجّجت فيها الحروبُ مع أعداءِ الدّين، الذين يهدفون للسّيطرةِ على المناطقِ الاستراتيجيةِ، أهمّها بيتُ المقدس في بلادِ الشّامِ، ومنها يحتلّون مصرَ وأفريقيا، وكان أشدّها في أواخرِ القرنِ الخامس هجري 491ه/1096م، حيث شهدت أشرسَ غزوٍ استعماريٍّ استمرَّ حوالي قرنينِ .


فلمّا تهيّأت الظّروفُ لأوروبا لإعادةِ تاريخها الإستعماريِّ في العصورِ الوسطى تكوّنت الحركة الصّليبيةُ التي بدأت حروبها وحملاتها تمهيداً لحركة الاستعمارِ، وجعلتها وسيلةً للخروجِ من النّظام الاقطاعيِّ إلى حياةٍ جديدةٍ في أراضي المسلمين المقدّسةِ، واتخذت من الدّين ذريعةً لأعمالها إلّا أنّ هناك دوافعَ وبواعثَ كثيرةٍ أدّت لقيامِ هذه الحملاتِ. من هنا كان بحثي الذي سأبيّن فيه تلك البواعث واحتلالِ بيت المقدسِ .


ولا يسعني إلا أن أتوجّه بالشكر إلى القيّمين على المشروع المعرفي ودبلومِ دراساتِ بيتِ المقدسِ والشّكر إلى الموجِّه الدكتور ماهر أبومنشار الذي زوّدنا بالمادةِ والمحاضراتِ التي ساعدتني حتى أتممت بحثي .


الظروف والبواعث التي أدّت لقيام الحركةِ الصليبيّة

الباعث الديني:

ادّعت بعض القوى السياسيّةِ في أوروبا بسوءِ أحوالِ المسيحيينَ في البلادِ الاسلاميّةِ وسوءِ معاملةِ المسلمين للحجّاج المسيحيين، وأثارَ ملوكُ وأمراءُ أوروبا ضجّةً حول ذلك، وكان للبابا أوربان الثاني الأثرُ الأكبرُ في إثارةِ روحِ التّعصّبِ ضدّ المسلمين وتهييج مشاعرِ النّاسِ والادّعاءِ بضرورة انقاذ المسيحيةِ من الإسلامِ في بلاد الشّرقِ وبدأ بعقدِ المؤتمرات لتحقيق ذلك، ولكنّ ذلك كلّه لم يكن إلّا ذريعةً وضعوها لتحقيقِ استعمارهم وأهدافهم، ففي ذلك الوقتِ كانت أوروبا قد تنصّرت بالكاملِ وأصبحت طبقة المحاربين فيها بلا عدوٍّ لقتاله، فأصبحوا ينشرونَ الرّعبَ بين السكانِ، وتحوّلوا إلى السّرقة وقطعِ الطّرقِ والقتالِ فيما بينهم، فأرادت الكنيسةُ تخفيفَ قوّتهم وتصديرَها لبلاد المسلمين.


    صورة اوربان الثاني


هذا يعني أنّ فكرةَ الحربِ المقدّسةِ ليست وليدةً لمضايقات المسلمين للحجّاج، بل هي تؤكّد على طبيعةِ الحقدِ الأوروبيِّ على الاسلام والمسلمين.() وقد كان المسيحيون يعيشون في ظل دولة اسلامية عادلة وبعض الاضطهادات ممن ينسبون للإسلام لا يصح أن تتخذ سبباً حقيقياً للحركة الصليبية .


الباعث السياسي:

كانت الأوضاعُ السّياسيةُ التي يعيشها ملوك وأباطرة أوروبا تحتِّم عليهمُ الخضوعَ للفكرِ الدّينيِّ المسيحيِّ فبعض الملوكِ اشتركوا بالحروب بضغطٍ من البابويةِ مثل: فريدريك يربروسا، وريتشارد قلب الاسد، وفيليب وفريدريك الثاني، باستثناء لويس التاسع الذي ذهب لاقتناعه بضرورةِ محاربة المسلمين.() والكثيرُ منهم اشتركوا لتحقيقِ أطماعهم وسيطرتهم على الأراضي والإقطاعات التي حُرِموا من امتلاكها في الغربِ بسبب النّظامِ الاقطاعيٍّ والوراثةِ التي تكون للابن الأكبرِ، ففتحت لهم الحروبُ الصّليبيّةُ باباً جديداً لتحقيق مجدٍ أكبرَ، والحصولَ على جاهٍ أعظمَ، فلبّوا نداءَ البابويةِ، واتجهوا نحو الشّرق الإسلاميِّ.


لكنْ بدأتِ الصّراعاتُ فيما بينهم ودبّتِ الخلافاتُ حول الحكمِ، وهم في الطّريقِ استحكمَ النِّزاع فيما بينهم أمام انطاكية، من أجلِ رغبةِ كلٍّ منهم بالفوزِ، وتخلّى الكثير منهم عن مواصلةِ المسيرةِ، ومشاركة إخوانهِ في الزّحفِ نحو بيت المقدسِ، وهو الهدفُ الأساسيُّ للحملةِ.() وفشلت الباوبية في الحد من نزاعهم لأنهم لم يكن يهمهم كثيراً إرضاء البابا أو سخطه .


الباعث الاجتماعي:

كان المجتمعُ الغربيُّ الأوروبيُّ في العصور الوسطى مقسّماً إلى طبقاتٍ ثلاث:

طبقة رجال الدين (من الكنيسة والديريين)

طبقة المحاربين ( من النبلاء والفرسان)

طبقة الفلاحين (من الأقنان والرقيق)


كانت طبقةُ رجالِ الدّينِ والأمراءُ الفرسانُ والمحاربون من الطبقات الأساسية والحاكمةِ يملكون الأراضي والأموالَ، ويتدرَّبون على السِّلاحِ وركوبِ الخيلِ ويستغلّون الطّبقةَ الدّنيا مثلَ الفلّاحين، الذين يشكّلون العددَ الأكبرَ ويعيشون حياةً ملؤها الشّقاءُ والتّعاسةُ في ظلِّ الاستغلالِ الاقطاعيِّ لهم، وإجبارِهم على دفعِ مقرّرات معينةٍ مثل، ضريبة الرأس.() التي يدفعونها سنوياً رمزاً لعبوديتهم، فقد كانوا مع الأقنانِ والعبيدِ يفضّلون الحياةَ في أيّة منطقة في العالم على الإقامة في ظلِّ الشّقاءِ والعبوديّةِ. لذا لمّا بدأتِ الدّعوةُ للحروبِ الصَّليبية وجدوا أنّها متنفسٌ لهم للخلاصِ.


كما تمَّ تشجيعُ شذّاذِ الآفاقِ، وقطّاعِ الطّرقِ على المشاركةِ في هذه الحروبِ لتتخلّصَ أوروبا منهم، في وقتٍ طمِعوا هم بالارتزاقِ والغنى في الشّرقِ الثّريِّ.()

استذلال الطبقة الكادحة في النظام الاقطاعي


الباعث الاقتصادي:

كانت أوروبا تُعاني من سوءِ الأوضاعِ الاقتصاديةِ لاسيّما فرنسا، التي شهدتْ موجةً من المجاعةِ، حتّى أكلَ النّاسُ الحشائشَ ومات الكثيرُ منهم.() إضافة لكثرة الحروب بين الاقطاعيين مما أفرز الكثير من المعدمين الفقراءٍ، وهذا دفعهم للانخراطِ في سلكِ الحروبِ الصّليبيّةِ ليس بوحي من دينهم وعقولهم، بل بوحيٍ من بطونهم لعلّهم يصيبون مغانم ويشبعون .


كما أنّ هناك جمهرةً من التّجارِ الإيطاليين لاسيّما تجّارُ البندقية وجنوى وبيزا، يعملون بالتّجارةِ في حوضِ البحرِ الأبيضِ المتوسّطِ، ويتاجرون بين مصرَ وبلادِ الشّامِ إلى أوروبا، فكانوا يشجّعون على قيامِ الحروبِ في الشّرقِ لتحقيقِ مصالحهم التّجارية والاقتصادية، مؤكدين أنّ ذلك لم يكنْ لخدمةِ الصّليبِ أو حرباً ضدّ المسلمينَ، بلْ لتحقيقِ غاياتهم الاقتصادية بوسائلَ عسكريةٍ.


اذن يُعتبرُ التطلّعُ إلى خيراتِ المشرقِ الإسلاميِّ من أقوى دوافعِ الحروبِ الصليبيّةِ بعد الدّوافعِ الدينيّةِ، وهذا ما بيّنه البابا أوربان في خطابه عن أهمية العاملِ الاقتصاديِّ قائلاً: ( ... إنَّ أورشليمَ أرضٌ لا نظيرَ لها في ثمارِها بلْ هي فِردوسُ المباهجِ).()


 الموانيء الايطالية الشهيرة ودورها الاقتصادي في الحملات الصليبية في المشرق الاسلامي


أوضاع المسلمين تلك الفترة

كان ممّا سهّل على الغربِ الضّعيفِ المتناحرِ السيطرةَ على الشرقِ هي أوضاعُ العالمِ الاسلاميِّ آنذاك، فلم تكن الأوضاعُ طبيعيةً أو قويةً، بل كانت الجبهاتُ الإسلاميةُ متناحرةً متفكّكةً، فقد كانت الدّولةُ الإسلاميةُ قويةً في العهد الأول، ثم العهدِ الأمويِّ، ومع بدْأ الحكمِ العباسيِّ 132ه اختلفت الأمورُ وبدأ الانحلالُ والفتنُ والتفرّقُ.()


وكانت الدّولةُ العباسيةُ آنذاك على وشكِ الزوالِ، فقد شهدت الدولةُ العباسيةُ صراعاتٍ فارسيةٍ تركيةٍ عربيةٍ، واضطرابِ الأوضاعِ السياسيةِ، وإشاعةِ الفتنِ وطمعِ العدوِّ في البلادِ، ثم ظهرت حركةُ القرامطةِ وهم تابعون للدّولة الفاطميّةِ، التي بدأت تستولي على مناطقِ الشّامِ بعد معاركَ مع قبائلَ وجيوشٍ منوّعة، مثل القرامطةِ والإخشيديينَ وغيرهم وبسطوا سيطرتهم على بلاد الشام ومصر. ثمَّ ظهرت قوّةُ السّلاجقةِ عام 1037م وأصبحوا أكبرَ قوّة في الشّرقِ الإسلاميِّ لاسيّما في الفترة 1055-1092م فقاموا بتوحيدِ العالمِ الاسلاميِّ تحت رايتِهم، واستطاعوا إنزالَ الهزائمِ بالدّولة البيزنطيةِ، لكنَّ عودةَ التَّفكُّكِ إلى الدّولتين السّلجوقيةِ والفاطميةِ والصّراع الفاطميِّ العباسيِّ، أدّى إلى تحضير الأجواءِ المناسبةِ للحركةِ الصّليبيةِ للزّحفِ نحوَ الشّرقِ الإسلاميِّ للسّيطرةِ عليه .


احتلالُ بيتِ المقدسِ

بدأتِ الحملاتُ الصّليبيةُ متجهةً أولاً نحو بيت المقدس، فأخذوا باحتلال المدنِ والقرى في طريقهم إليه وسقطت المدنُ السّاحليةُ في بلاد الشّام، وإقليمِ بيتِ المقدسِ بيدهم، حتّى بلغوا أسوارَ المدينةِ المقدّسةِ في 5 رجب 492ه/7يونيو1099م وكانت حينها تحتَ الحكمِ الفاطميِّ بقيادةِ افتخار الدّولةِ وحاصروها بأعداد تُقدَّرُ بـ 40 ألفا،ً وفي 20 رجب شنّوا هجوماً كاسحاً فانهارت التحصيناتُ الخارجيةُ وواجهتهم القوات العُبَيديةُ الفاطميةُ إلى أن سقطت هذه الحاميةُ، واستسلمتِ المدينة المقدّسةُ للنّصارى، والواقعُ أنَّ الذي سلَّمهم إياها همُ العبيديونَ.()


واستطاعَ الصّليبيونَ أنْ يدخلوا المدينةَ المقدّسةَ يومَ الجمعةِ 24 شعبان 492ه /15 يوليو 1099م، وقد وتملّكتهم روحُ البطشِ والرّغبةُ في سفكِ دماء العزّلِ، ولم يسلمْ أحدٌ منهم، واتّجه النّاسُ نحو المسجدِ الأقصى المباركِ ظانّينَ أنَّ النّصارى لن يلحقوا بهم، ولكنَّ الصّليبيين دخلوا المسجدَ الأقصى المباركِ وقاموا بمذابحَ يندى لها الجبينُ فما كادوا يدخلون المدينةَ المقدّسةَ حتّى حكموا على كلِّ مسلمٍ بقي فيها بالموت فقتلوا سبعين ألفاً.() وأَرسلوا رسالةً إلى البابا ليُخبِروه أنَّ المدينةَ المقدّسةَ فُتِحتْ على أيديهم وأنّهم قتلوا عدداً لا يحصى من المسلمينَ، وأنَّ خيولهم في إيوان سليمانَ كانت تخوضُ في بحرٍ من دماءِ المسلمينَ حتّى ركبِها.()


ثمّ أخذ الصليبيون يديرون شؤون المدينةِ كما يشاؤونَ، واستولَوا على معظم المباني والممتلكاتِ، وقسّموا المدينةَ والحكمَ فيها وشرّدوا أهلها، وحوّلوا قبّة الصّخرةِ إلى كنيسةٍ، وقسّموا المسجدَ الأقصى واتخذوا قسماً منه كنيسة، وآخرَ مسكناً لفرسان الهيكلِ، وقِسمٌ مستودعاً لذخائرهم، واسطبلاً لحيواناتهم، وأظهروا شعائرهم، فنصبوا الصّليب وضربوا النّاقوس، وحلّوا فيه عقيدة الكفرِ، وبقي الاحتلال الصّليبي قرابة مئة عام.


واستمرّتِ الحملاتُ الصّليبيةُ، وبلغت ثمانيةَ غزواتٍ، أربعةٌ منهم نحوَ بلادِ الشّامِ، وهدفهم بيتُ المقدسِ (الحملات 1-2-3-6)، واثنتان نحوَ مصرَ التي أدركوا أنَّ منها سيحتلّون بيتَ المقدسِ لأهمّيتها (الحملات 5-7) والحملة الرّابعة كانت نحو القسطنطينيّة والثّامنةُ نحوَ شمالِ أفريقيا، وأثناءَ حملاتهم هيّأ الله للمسلمين وبلادهم جنداً لم يرضوا بالإذلال، مثل مودود والزنكي وتلميذهم صلاحُ الدين الأيوبيِّ الذي فتح بيت المقدس وحرّرَ المسجدَ الأقصى عنوةً عنهم .


  احتلال الصليبيين لبيت المقدس عام 1099 واضطهادهم للمسلمين واليهود


الخاتمة

الحملاتُ الصّليبيّةُ هي شكلٌ من أشكالِ الاستعمار البغيضِ، اتُبعت فيه القوّةُ والغزوُ العسكريُّ وامتدّت قرنينِ، وأنتجتِ العنفَ والكراهيةَ والمجازرَ والخرابَ، فقد بدأت عام 1098م وانتهت 1291م، وحينها اعترى الأمّةَ الإسلاميةَ الضعفُ والعور، وهذا كلّه بسببِ التّشتّتُ والفُرقةُ والسّعيُ نحوَ الحكمِ والبعدُ عن الله تعالى .


وكما يتّضحُ لنا أنَّ المجتمعَ الأوروبيَّ كان مكوّناً من طوائفَ شتّى ( دينية وسياسية واقتصادية وشعوبية)، كلٌّ منها لها أهدافُها ومطامعُها، تصغرُ أو تكبرُ بحسَبِ حجمِها، فاجتمعت هذه الطّوائفُ وشكّلت دوافعَ وظروفا، جعلوا منها ذريعةً لتبرير هذه الحملات الصّليبية فوصلوا لبلادنا واحتلوها .


لكن مع كلّ ما فعله الصّليبيون إلاّ أنّ هذه الحملات لم تفلحْ عسكرياً رغم مدّتها الطويلةِ، حتّى لم تفلح عقائدياً؛ لأنَّه ورغم الضَّعف الذي كانت تمر به الأمّة إلاّ أنّ هناك فتراتٍ من القوّةِ والتّمسّك بالدينِ، فيؤدي لتراجع الصّليبيين، وعودتهم حينما يتغيرُ وضعُ المسلمين، فكانوا في كلّ مرّة يقدُمون بأفكار جديدةٍ، يحاولون بثَّ حضارتهم لخلخلة بلاد المسلمين، لكنّ الله يُهيِّأ دوماً من ينصرُ دينَه والمقدّسات الإسلاميةِ .


من هنا يتبيّنُ لنا أهميّةُ وَحدتنا، وأنَّ العدوَّ لا يُقاوَم إلاّ بالقوّةِ، وينبغي الثباتُ على طريقِ الحقِّ والجهادِ في سبيلِ الله وتحريرِ النَّفسِ من الاستعمارِ الرّوحيِّ والفكريِّ والعودة لكتابِ الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.


ختاماً، هذا الجهد يعتريه الخطأ ولا يسلَم من التّقصير، فأسألُ اللهَ أن أكون قد هُدِيْت إلى الصّوابِ وأنْ يعفوَ عنّي عن كل زللٍ وقصورٍ، وأنْ يرزقَني الإخلاصَ في القولِ والعملِ


المعرفة تقود التغيير والتحرير والعمران

المراجع والمصادر