مركز البركة ومنبعها

من موسوعة بيت المقدس الإلكترونية
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

بيت المقدس جزء من العقيدة وقضية إسلامية وآية في كتاب الله عز وجل ، ومصدراً لبناء صرح علمي معرفي واسع ، فالفتح له ما كان إلا بعد الجهود المعرفية الممنهجة التي وضعها قائد الأمة صلى الله عليه وسلم في خطته الاستراتيجية للفتح ، وسار عليها أبا بكر وعمر والصحابة رضي الله عنهم ثم جيل صلاح الدين حتى فتحوا وحرروا بيت المقدس .


وبهذا رسمت خارطة أمل لكل من اختار السير على هذا النهج في زماننا الذي أُغفل فيه البعد المعرفي ، وافتقارنا للأبحاث والنظريات الموثوقة ووصولنا لدرجة من الهوان نتيجة سيطرة الغرب والاستشراقيين على عقولنا ، حتى أصبحنا بحاجة ماسّة لوقفة جادّة للتصدي لذلك وتطوير تصورات ونماذج ونظريات .


وبعيداً عن العاطفة وإيماناً بأن الأحلام ستصبح حقائق يوماً ، عَمد البروفسور عبد الفتاح العويسي على تحقيق حلم له لأجل خدمة القضية معرفياً ومواجهة النكبة المعرفية ، فقام بعد جهد بإنشاء مجمع دراسات بيت المقدس وحقله المعرفي دبلوم دراسات بيت المقدس الذي يهتم بالمعرفة الأكاديمية الجادة لاكتشاف بيت المقدس وتقديمة والمساعدة في فهم الحاضر وتفسيره واستشراف المستقبل وتوجيهه ، ويبدأ الحقل المعرفي بالمدخل لبيت المقدس الذي يفي باحتياجات الباحثين عن المعرفة والمهتمين بالتخطيط وصناعة التاريخ المستقبلي كما تبنى عليه بقية المقررات .


من هنا كان بحثي هذا والذي أُبيّن فيه بإيجاز ما جاء في مقرر المدخل لبيت المقدس ضمن دبلوم دراسات بيت المقدس (اسراء) الدفعة السادسة ، والتي قدمها مؤسس المشروع المعرفي البروفسور الدكتور عبد الفتاح العويسي حفظه الله . وقد اعتمدت على المحاضرات التي قدمها لنا وكتابه صناعة التاريخ المستقبل الذي كان مصدراً أساسياً لبحثي .

ثورة المصطلح

دراسات بيت المقدس

دراسات بيت المقدس هي حقل معرفي أكاديمي جديد من المعرفة الإنسانية القائمة على منهجية الحقول المعرفية المتداخلة والمتعددة لدراسة أقليم بيت المقدس ، ويعمل على إنتاج المعرفة المتعلقة بهذا الاقليم وتصنيعها ، وتخريج نواة من المختصين الأكاديميين المحترفين على المستوى الدولي ، وتطوير قدرات وكفاءات أكاديمية على مستوى العالم . وقد تم ترجمة المصطلح إلى اللغة الانكليزية ليصبح IslamicJerusalem وهو كلمة واحدة لمصطلح جديد بدأ يستخدم في الدراسات الاكاديمية في الغرب وهو نتاج للحوارات التي قام به رواد المشروع وطلبته .

بيت المقدس

بيت المقدس هو اقليم غني بخلفية تاريخية خصبة وبأهميات دينية وارتباطات ثقافية وبادعاءات سياسية ودينية تنافسية وباهتمامات دولية تؤثر في بقية العالم في الاطارين التاريخي والمعاصر ، ولبيت المقدس إيطار مرجعي مركزي وطبيعة حيوية ذات عناصر أساسية مترابطة وهي الموقع الجغرافي ( الأرض والحدود والشعب والسكان ) ورؤيتها الفريدة والخلاقة والشاملة لادارة أرضها وشعبها بوصفه نموذجاً للتعددية الدينية والثقافية والتواصل الحضاري .


وهو الاسم الذي لم يخترعه زعيم أو حاكم ، إنما استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه وذكر في القرآن الكريم أنه ( الأرض المقدسة ) ، وهو مركز البركة وفي داخله مركز ومركز البركة اي المسجد الأقصى المبارك .


أما مدينة القدس فهي ليست بيت المقدس كما هو منتشر ، إنما هي مدينة داخل اقليم بيت المقدس والأصح تسميتها مدينة بيت المقدس ، فالقدس مصطلح حديث أول من استخدمه المأمون في عهد المعتزلة ، العهد الذي حصل فيه أكبر فتنة وهي خلق القرآن وفيه تم تعذيب العلماء كالامام أحمد ابن حنبل .


وعليه إن علينا أن نستخدم مصطلح بيت المقدس بدلاً من القدس لأسباب كثيرة منها:

1-إحياء سنة مهجورة من سنن نبينا صلى الله عليه وسلم بإعادة استخدام المصطلح الذي كان يستخدمه

2-شمولية وجدية وقوة المصطلح لا سيما حدوده الجغرافية المقدسة والثابتة كحدود مكة والمدينة

3-تأثيره النفسي والسكيولوجي على المسلمين والذي يثير النزعة العقائدية

4-اعادة القضية لبعدها الاسلامي العقدي وابرازه

5-وضوح البوصلة واتجاهها

6-منح خلفيات ومتطلبات وركائز جديدة للاستدلال والفهم والادراك والعمل فقد استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في زمن القوة والفتوحات فيتبين عظمة الأمة عندما كانت تستخدمه

7-يضع لبنة أساسية لأمتنا في بناءها المعرفي للتحرير القادم ان شاء الله


أما حدود بيت المقدس فهي ما حول ايلياء إلى 40 ميلاً عربياً أي حوالي 85 كيلو متر وفي البحر المتوسط 12 ميل عربي أي حوالي 21.51 كيلو متر ويشمل مدن وقرى عدة مثل القصبة والرملة ومدنها وغور الصافي ومآب الربّة وجزء من الكرك و 5 أميال من البادية نابلس وتصل إلى بئر السبع .

نظرية دوائر البركة

في ظل الارهاصات التي تعيشها الدول العربية والحاجة الماسة لثورة معرفية تثور ضد النكبة المعرفية وتحرك العلماء والمختصين لتطوير نظريات جديدة ، لا بد من البدء في عملية التخطيط للتحرير ضمن الإطار النظري وتبيان منهجية الحقول المعرفية المتعددة والمتداخلة التي تعيد قراءة تاريخ بيت المقدس من جديد بطريقة موثوقة بالاعتماد على مصادرنا الاسلامية والتاريخية والجغرافية .


هذا ما سعى إليه البروفسور العويسي فقدّم نظرية جديدة مهمة في فهم وادراك الأحداث المستقبلية ، وهي وليدة الجغرافية السياسية التي تأخذ بعين الاعتبار الدولة وتحليل بنيتها الجغرافية ودراسة كل دولة من دول العالم كوحدة قائمة ، وبذلك تعتبر جغرافية الدولة او الوحدات السياسية ، وهي الأصل الذي تفرعت منه النظرية الجديدة .


نظرية الجيوبولتكس والتي تهتم بالسياسة الدولية وقوة المكان وموقعه الجغرافي والعمق التاريخي وتأثير العوامل الجغرافية على تصرفات الدولة وسياستها الخارجية وموقعها بين الدول .


ولأن بين المقدس له موقع فريد وأهمية قدسية يسعى الكثير للسيطرة عليه ، لا بد من التعريف بنموذج بيت المقدس للجيوبولتكس وقد أسماها البروفسور العويسي نظرية دوائر البركة لبيت المقدس والتي تطرح إيطاراً نظرياً جديداً للفهم والتوجيه وتقوم على تفسير جديد للمصادر والمراجع الاسلامية .


وأهم وأول مصدر ومرجع لنا هو القرآن الكريم ، وبيت المقدس آية في كتاب الله عز وجل فكان أشمل مصطلح قرآني يحمل في طياته فضائل بيت المقدس والسمات الخاصة به هو (الأرض المباركة) ، فقد ذكر في خمس آيات قرآنية بأربع سور مكية .


والبركة هنا تعني النماء والزيادة وتقسم إلى :

-بركة حسية تتمثل بالموقع الجغرافي والاستراتيجي المسيطر وطبيعة المناخ المتنوع .

-بركة معنوية كونها أرض الأمل والأمان والانبياء وأرض الإسراء والمعراج .


أما آيات البركة التي تخص بيت المقدس فهي في قوله تعالى

1- {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ }

2- { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ }

3- { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ }

4- {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا }

5 - {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }


وإن عدنا لتفسير الآيات يتبين لنا ما يلي :

•إن الايات الأربعة الأولى تتعلق بفترة ما قبل البعثة وتبين الأرض التي خرج منها من ذُكر بالآية متجهاً للأرض المباركة وهي بيت المقدس .


•أما الآية الخامسة في سورة الاسراء التي يتوسط موقعها القرآن الكريم ، تتحدث عن حادثة الاسراء والمعراج ، وواضح بها أن الأرض المباركة بدأت من النقطة المركزية التي بورك حولها أي من البيت المُقدّس (المسجد الأقصى) وبالتالي لا يمكن أن نغفل نظرية دوائر البركة للبروفسور العويسي والتي كان مصدرها هذه الآية الكريمة ( الذي باركنا حوله ) هنا يشير أن البركة تنبُع من المسجد الأقصى المبارك وتدور حوله بشكل دوائر ، فتصل من الينبوع الى جميع أنحاء العالم ولكن بنسب متفاوتة هذا يعني أن المسجد الاقصى المبارك هو مركز مركز البركة تشع منه البركة لتصل لكل العالم بدوائر ثلاثة وهو النقطة المركزية لهذه البركة .


أما الدوائر الثلاثة فهي كما قال البروفسور العويسي :


الدائرة الأولى : تشمل اقليم بيت المقدس الأرض المقدسة بالمصطلح القرآني وهو الاقليم الفريد من نوعه ، وهي من أهم الدوائر لأن بين المقدس يقع في قلب العالم بشكل خاص وقلب المشرق العربي الاسلامي بشكل عام.


الدائرة الثانية : تشمل بلاد الشام وأجزاء مهمة من مصر وجزيرة قبرص في البحر المتوسط وأهمية هذه الدائرة تمكن بالعلاقات الاستراتيجية العضوية بين مصر وبلاد الشام ، حيث أن لمصر دور مهم وتجاهل هذه الحقيقة أدى لخضوع بيت المقدس للاستعمار عدة مرات ولم يحرر الا بعد توحيد مصر وبلاد الشام في عهد صلاح الدين الايوبي وفي زماننا لن يتم تحرير بيت المقدس من الصهاينة إلا بعد القيام بتوحيدهم لارتباطهم الوثيق ببعضهم البعض .


الدائرة الثالثة : تشمل المشرق العربي والاسلامي من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى وان حلقة الوصل بين الدائرة الثانية والثالثة هي مصر ما يؤكد على أهمية مصر في قيادة المنطقة إذا فقهت أهمية موقعها الجيوبولوتيكي ودورها الريادي في وحدة الأمة ونهضتها .


وخلاصة ذلك : أن من يصل الى مركز البركة ويحكم بيت المقدس هو الذي يقود العالم وتكون له السيادة والسيطرة العالمية


كما يمكن فهم هذه النظرية الجديدة من خلال المعادلات الثلاث التالية :

1- من يحكم بيت المقدس ( الدائرة الاولى ) يسيطر على مصر وبلاد الشام ( الدائرة الثانية)

2- من يحكم مصر وبلاد الشام (الدائرة الثانية) يسيطر على المشرق العربي والاسلامي (الدائرة الثالثة)

3-من يحكم المشرق العربي والاسلامي (الدائرة الثالثة) يسيطر على العالم


وان الفهم الجيد لهذه النظرية يساعد على طريقة التعامل مع الدولة العازل ( الصهيونية) المزروعة في قلب المشرق العربي والاسلامي ، والذي يسيطر على العالم ويساهم في منع التمدد الصهيوني وتوسعه في المنطقة وإعادة السيطرة على بيت المقدس .

نموذج التغيير الجذري

لقد مرّ النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل نشر الدعوة بمحن كثيرة كان أشدها وفاة عمه الذي يدافع عنه دوماً رغم عدم إسلامه ، وزوجته خديجة التي تؤيده في كل شيء وكان ذلك في عام الحزن فخرج حينها لثقيف في الطائف لطلب نصرة الدين وحماية المسلمين ، لكنهم رفضوا ولحقوا به ليرموه بالحجارة حتى سالت دماؤه الطاهرة ، فاتجه لربه يشكوا حاله ، فجاءت الاجابة الربانية لشكواه فحُمل على البراق إلى بيت المقدس ليلاً في رحلة اعجازية لا مثيل لها ، هذه الحادثة هي حادثة الاسراء والمعراج ، وكان المسجد الأقصى مركز الرحلة الأرضية ( الاسراء ) والسماوية ( المعراج ) فكانت فيه نهايتة الاسراء وبداية المعراج .

ويؤكد الدكتور أحمد نوفل أن هذه الحادثة كانت في منتصف فترة النبوة أي والنبي في مكة قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً


كما ان ابراهيم عليه السلام في زمن حكم الكنعانيين أجبر أن يترك وطنه بسبب تعذيبهم له فاتجه نحو بيت المقدس المفتوحة للجميع دون استثناء باختلاف الجنس والجنسية والديانة .


وبهذا قدم البروفسور العويسي مصطلحاً جديداً هو أن بيت المقدس أرضاً للأمل والأمان ومصدراً للتغيير ، حيث كانت هذه الحادثة نقطة تحول جذرية فاصلة وفتحاً روحياً ، منحت الأمل للمسلمين كافة وأرست الرحلة إلى بيت المقدس وخاصة مسجده الاقصى ومنه الى السماوات العلى مركزية بيت المقدس وأهميته الروحية التي ربطته بالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتي تتمثل بالصلاة فقد توجه المسلمون آنذاك في صلاتهم لبيت المقدس طوال الفترة المكية و16 أو 17 شهراً بعد الهجرة ، إضافة لأهميته الدينية المتمثلة بكونها أرض الأنبياء والاسراء والمعراج وفيها ترأس النبي المؤتمر الوحيد لأنبياء الله وكذلك السياسية والعسكرية والثقافية .


خلاصة ذلك ، أنه ومنذ حادثة الاسراء والمعراج أصبح بيت المقدس رمزاً لعزة العرب والمسلمين ومحفزاً لتحريكم ووضعهم أمام مسؤولياتهم للنهوض والتقدم ، ومن أهم عوامل وحدتهم والمقياس الحقيقي لعزتهم وذلهم فلا عزة للعرب والمسلمين بدون بيت المقدس


ومنذ حادثة الاسراء والمعراج أصبح بيت المقدس المرآة التي تعكس أوضاع المسلمين بصفة عامة والعرب بصفة خاصة ، فواقع بيت المقدس يعتمد على واقع المسلمين والعكس ، وبالتالي لا بد من التخطيط المستقبلي لتاريخ بيت المقدس لان مستقبل العرب والمسلمين يعتمد على بيت المقدس والعكس .


المبحث الرابع : نماذج التخطيط المستقبلي

ان الرسول عليه السلام وضع بنفسه خطة استراتيجية ورسم خارطتها السياسية والجيوبولتكية لفتح بيت المقدس وأدخلت حادثة الاسراء والمعراج عوامل مركزية جديدة للتخطيط للمستقبل وأعادت ترتيب الاولويات وربطت المسلمين به فأراد النبي عليه السلام تحويل هذا الارتباط الذهني الى حقيقة واقعية وظهر ذلك برغبيته فتح بيت المقدس في الفترة المبكرة لصدر الاسلام لكن بعض لأمور أخرت ذلك فعمل على تهيئة الصحابة وايقافهم على خططه الاستراتيجية ومنحهم للبشائر والأمل أن فتحه سيكون بإذن الله وأنه سيكون عقر ومقر للدولة الاسلامية القادمة .


فقد أخبر النبي عليه السلام شداد بن أوس المدفون في مقبرة الرحمة في مدينة بيت المقدس أن الشام ستفتح وبيت المقدس سيفتح وتكون فقال له : ( ألا إن الشام سيفتح إن شاء الله وبيت المقدس سيفتح إن شاء الله وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها إن شاء الله ) ( ).

كما أوقف النبي عليه الصلاة والسلام جزءا من أرض الخليل في بيت المقدس للصحابي أوس الداري الذي كان أول من أسلم من سكان بيت المقدس . وقد منع الصحابة من زيارته وهو تحت الاحتلال البزنطي وكان ضمن ضمن التخطيط والخطة الاستراتيجية التي وضعها .


وسيّر النبي عليه السلام غزوات كان أغلبها على الخط الشمالي الغربي باتجاه بلاد الشام وقلبها بيت المقدس ودرته المسجد الأقصى المبارك وسيرت غزوات خاصة لفتحه أهمها غزوة مؤتة وتبوك وبعثة اسامة وبذلك ربط بيت المقدس بعقيدة المسلم حتى فتحه عمر بعد خمس سنوات من وفاة النبي عله السلام وسار على هذا الخطى الصحابة ثم جيل صلاح الدين وصولاً لنا


وبذلك ظهر اتجاه جديد للتغيير الجذري وهو الشكل العملي للأمل وبالتالي ان الأمل يتطلب بذل الجهد لإحداث التغيير ، كما أن الأمل والتغيير هما من دلائل البركة فيتلازم الأمل والتغيير والبركة ليكون بيت المقدس مركزهم .

نموذج لآثار انتهاء الحرب ( العهدة العمرية )

إن فتح المسلمين لبيت المقدس حدثاً مميزاً ما زالت آثاره حتى يومنا ، فقد كان الفتح في جمادي الثانية 16 ه /637 م كما قال الدكتور عثمان الطل ، وكان هذا الفتح نقطة تحول وتغيير جذرية وجوهرية في منحنى تشكل العلاقات بين سكان الاقليم على اختلاف معتقداتهم حيث تم دون سفك الدماء والتشريد كما يحصل عادة .


وكان دخول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك الوقت أعلى سلطة سياسية ودينية في الدولة الاسلامية ، وكان بداية عصر متميز من العلاقات المتبادلة بين أبناء الديانات السماوية الثلاثة ( الاسلام ، المسيحية ، اليهودية ) تم تأصيله بالوثيقة التي عرفت بالعهدة العمرية .


العهدة العمرية ما زالت موضوع نقاش بين عدد من المؤرخين لأن لها نصوص وروايات مختلفة ، وقد خلط عدد منهم بين العهدة العمرية والشروط العمرية لابن القيم الجوزية فأدى ذلك الى تشويش وتناقض في مناقشتهم للعهدة العمرية .


كما يجب التمييز بين العهدة إن كانت اتفاقية أو معاهدة ، فلو عدنا لجميع النصوص والروايات لوجدناها غير موقعة من طرفين ، بل أعطى فيها أهل بيت المقدس وثيقة أمان وان كانت اتفاقية لكانت موقعة من طرفين . كما ان فقرتي الافتتاحية والخاتمة تؤكد أنها عهدة ، فقد تضمنت الافتتاحية أنا من أمير المؤمنين عمر لاهل بيت المقدس كما جاء في جميع الروايات باختلاف طريقة الكتابة مع بقاء المضمون ذاته والخاتمة بينت توقيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقط .


أما اختلاف الروايات للعهدة فقد جاءت الروايات الاولى عامة بدون تاريخ أو قيود والروايات التي تليها اوردت نصوصاً مختصرة وبعضها مطولة ، وتلونت المصادر حسب طبيعة المؤلف وشخصيته ووقت التسجيل ومكان وجود المؤلف اضافة إلى تلون المصالح المحلية والسياسية الدينية ، كل هذه الأمور مهمة في نقد النصوص التاريخية وتحليلها بغض النظر عن شهرة الكاتب .


لذا وبعد النقد والتدقيق تبين ان الروايات الشامية تعد الأعم والأوثق عن الروايات الحجازية والكوفية لكونها تتضمن معلومات وتفصيلات نادرة واقربها مكاناً ، وعلى علم دقيق بالفتوحات واسرارها .


وتضمنت العهدة العمرية اعطاء اهل ايلياء الأمان وحقوقهم الدينية كافة وحمايتهم والحفاظ عليهم وعلى أماكنهم الدينية مقابل تقديمهم للجزية والاعتراف بوجود التنوع والتعدد البشري مما يبين عظمة الاسلام فيما يمنحه للبشرية .


نماذج الأمان

نموذج التعددية والتواصل الحضاري

إن تعاليم الاسلام الاساسية تتمثل بالقرآن والسنة مبدأ التعددية وتنوع الأصل في كل شيء دون الله الواحد الأحد ، وجعل الله البشرية أمما وشعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتواصلوا حضاريا للعيش المشترك على اختلافهم وتنوعهم ، وكان بيت المقدس بعد الفتح الاقليم الفريد والنموذجي الذي يمكن ان تعيش فيه هذه العائلة البشرية الواحدة معاً ، فالاسلام منح الجميع اللأمان والأمن والحماية والحفاظ على كرامتهم وظهر ذلك واضحاً في التعامل والمساواة بين الجميع .


كما ان الفتح حرر باقي الديانات من العنف والاضطهادات فقد حرر المسيحيين من اضطهاد البيزنطيين وظلمهم وتخلصوا من الضرائب التي فرضت عليهم ودفعوا الجزية أقل بكثير .


نظرية الأمان

للحفاظ على تعددية الأماكن المقدسة والأديان لا بد من وجود هذه النظرية التي تتمحور حول منهجين ومفهوم ومبدأ : منهجية التدافع ، ومفهوم العدل ، ومبدأ عدم الاقصاء ، ومنهجية الحوار البناء


-منهجية التدافع بدل من الصراع : تعني أن تعاليم الاسلام ترفض الصراع القائم على إلغاء طرف آخر من الوجود وتفرد المنتصر في الساحة ، بل تحافظ على وجود البشرية وتقر بمبدأ التعددية والتنوع وتقضي سنة التدافع بين المجموعات البشرية وضمنها الى الحفاظ عى التوازن وعمران الارض .


-مفهوم العدل : هو العدل المطلق الذي يستوعب جميع الناس في التفرقة بين احد باختلاف معتقداتهم وديانتهم واماكنهم .. فهو الهدف الاعلى للاسلام وغايته وأي نهج يؤدي إلى العدل يكون جزءاً من الدين .


-مبدأ عدم الإقصاء : يتعارض الاقصاء مع أصول الإسلام التي ترفض فكرة سيادة شعب أو جنس على آخر ، ويتنافى مع أبسط القواعد الأساسية التي حددها القرآن والسنة في التعامل مع أهل الكتاب غير المحاربين للمسلمين ، وبالتالي طلب اقصاء اليهود يتعارض مع تعاليم ديننا لقوله تعالى :{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } . وحرب المسلمين مع اليهود ليست لكونهم يهود بل لأنهم اغتصبوا أرض الإسلام وشردوا أهلها وفرضوا وجودهم بالعنف والقتل ...


-منهجية الحوار البناء : ان افضل أسلوب لحل أي نزاع يكون بالحوار المتكافيء بين الأطراف وهذا ما دعا إليه القرآن والسنة شرط أن لا يكون بالحكمة والموعظة الحسنة فحسب بل بالتي هي أحسن كذلك كدعامة أساسية لتحقيق السلم .


إن أهم مخرجات نظرية الأمان ، وجوب الحفاظ على الكرامة الانسانية وعدم الاعتداء عليها اضافة لتحقيق الأمان والعدل والحرية والتخلص من الاستعباد والفساد والاستبداد وهذا كله يؤدي الى عمران الارض وخير للبشرية كلها .

النموذج التاريخي في دراسة العلاقات الدولية وصناعة التاريخ المستقبلي

إن البحوث المعرفية الأكاديمية الجادة التي تهتم بدراسة الواقع في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية تمر بعدة مستويات أو عمليات ممنهجة تبدأ :

1-الوصف

2-التوضيح : يهتم بإيجاد العلاقة السببية بين السبب والنتيجة

3-الفهم

4-التفسير : لتحقيق ذلك لا بد من وجود إيطار نظري

5-التوجيه : وهو عملية استنباطية تطبيقية للتأثير في مجرى الأحداث والظواهر في مجرى الأحداث والظواهر والأفكار والمساهمة في صناعة التاريخ المستقبلي .


وإن الاشكالية وجود فجوة بين المؤرخين الذين يحاولون فهم الأحداث في زمانها ومكانها والتثبت من صحتها لكنهم لا يرغبون في التنظير أو اقتراح نماذج في دراستهم التاريخية ، وبين علماء العلوم الاجتماعية الذين يتطلعون على النظريات مجرد اطلاع


وبذلك ان البحوث المعزولة أو التي ليس لها رصيد وعمق غير تاريخي هي بحوث غير مناسبة لفهم الأحداث المعاصرة بل ربما تكون خطيرة في نتائجها وتأثيراتها السلبية على اتخاذ القرارات


من هنا تظهر الحاجة الماسة إلى تطوير فهم للتاريخ ينطلق من اعتبار الماضي والحاضر والمستقبل سلسلة مترابطة ويؤثر كل منهم على الآخر ، اضافة إلى دراسة التاريخ ومعرفة الأسباب للأحداث التي حصلت حينها .


كما يتبين أهمية معرفة العمق التاريخي والجغرافي في عملية التحليل والتخطيط الاستراتيجي للمستقبل ، فالماضي هو دليل المستقبل ، وفهمه وايضاحه وتعليله مهم في استعراض الحقائق وادراكها وتكوين نظرية عنها وجعلها أساساً في التعليل والإيضاح


وهناك ثلاث عوامل تحكم دراسة التاريخ تكمن في عامل الزمان والمكان والمنطلق الذي ينطلق منه الإنسان . وهكذا إن دراسة التاريخ مهمة لمستقبل البلاد وتطويرها ففيه استلهام للمستقبل ، وفيه تبيان لأخطاء السابقين ، اضافة للحذر من المزالق التي تم الوقوع فيها عبر التاريخ آخذين بالهدي النبوي فيما قاله عليه السلام : ( لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين )


وفي ذلك شحذ للهمم وبعث للروح من جديد وتنافس في الخير والصلاح والعطاء لأجل صناعة تاريخ مستقبلي ملئ بالخير والأمان والسلام .

الخاتمة

إن بيت المقدس الأرض المقدسة والمباركة ومركز البركة وفيه ينبوعها بوابة العبور عبر العصور ، فهو معنى لتمام الحق والعدل في الأرض ، و قبلة الأنبياء والأمة المحمدية في عبورها بمعاني الصلاة لباريها كما انه نقطة تحول وفرج في رسالة أبا الأنبياء هجرة وفرجاً ومنه تفرعت ذرية الأنبياء من لدن اسحاق واسماعيل ..


وبيت المقدس علامة التمكين في الأرض لبني اسرائيل في عهد رسالتهم اذا اقتربوا حضنتهم واذا ابتعدوا طردتهم ، كما هو لحال مع أمة الرسالة في كل زمان .


وهو محط النبي عليه السلام في دار هجرته لأول مرة وهو رسول الله فما وطئ المدينة بعد رسالته وعلم أنها دار هجرته ومناط سلوته ونصرته بعد كربته إلا وهو في طريقه إليه في اسرائه ، وما عبر من لدنيا إلى الملأ الأعلى إلا من هناك وما بلغ قاب قوسين ورأى الآيات إلا من البوابة المقدسة


وما وصلت الأمة للذروة في تمام خلافتها عن الأنبياء إلا في عهد الفاروق بعد الفتح المبارك الذي بيّن عظمة الاسلام وما يمنحه للبشرية .


كل هذا سنة ربانية باقية ليوم الدين تنبئ الناس أن بيت المقدس ومسجده الأقصى هو بوابة للعبور من الظلمة إلى النور والباطل للحق وهذا يثبت أهمية الأرض وبركتها التي تصل للعالم أجمع . وتبين أهميته بيت المقدس ومكانته حيث لا عز للبشرية الا بوجوده ، وهو مركز البركة والأمل والتغيير سواء في الماضي والحاضر والمستقبل .


وفي المدخل لبيت المقدس وما قدمه لنا البروفسور العويسي أثبت لنا كل هذه النظريات ومنحنا معرفة وعلماً واسعاً ، وفتح لنا مجالاً لنصرته بالمعرفة فاشعاعات الأمل والأمان والبركة ستبقى لحين التغيير والتحرير الذي سيكون بإذن الله بتخطيطنا المعرفي اقتداءا بقدوتنا عليه السلام .


والمحاضرات الذي قُدمت لنا زادتنا همة وعزيمة وكأن البركة تحيطنا ، فأسأل الله العلي القدير الذي أكرم نبيه هذه المعجزة وجعل بيت المقدس عنوانا لكل خير أن يكرمنا ويتقبل مساهمتنا في تحرير بيت المقدس ورؤية البلاد الاسلامية كلها عزيزة وأن يبارك في كل من علمنا وزاد معرفتنا ويسعى لنشر المعرفة ، فلا عز الا بعز بيت المقدس ولا مستقبل لنا الا به .


والمعرفة تقود التغيير والتحرير والعمران